الخبير
مقدمة
تقوم دعوى الإثبات على إقامة الدليل أمام القضاء بما يكشف الحقيقة القضائية، غير أن بعض الوقائع المطروحة في النزاع لا يكفي فيها الفهم العام أو المعرفة القانونية المجردة، بل تحتاج إلى نظر فني متخصص. ولذلك يُلجأ إلى الخبير بوصفه وسيلة مساعدة للمحكمة على استجلاء الجوانب الفنية التي تدخل في تكوين قناعتها.
ويُعد الخبير في تصنيف أدلة الإثبات من الوسائل الفنية المساعدة، إذ لا يحل محل القاضي ولا يملك سلطة الفصل في النزاع، وإنما يقدم رأياً فنياً في مسألة محددة تكلفه المحكمة أو يتفق عليها الخصوم ببيانها.
التعريف الاصطلاحي
الخبير هو شخص طبيعي يتوافر لديه علم خاص أو مهارة فنية في مجال معين، كالمحاسبة أو الهندسة أو الطب أو تقنية المعلومات أو الخطوط أو التقييم العقاري، فينتدبه القضاء أو يقبله الخصوم لإبداء رأي فني في واقعة تحتاج إلى معرفة متخصصة لا تتوافر عادة لدى القاضي أو أطراف الدعوى.
ويطلق على الخبير في بعض الأنظمة القضائية تسمية الخبير القضائي عندما ينتدب من المحكمة، وقد يسمى خبير خاص إذا اختاره أحد الخصوم لتقديم تقرير أو استشارة فنية لمساندة موقفه، مع اختلاف الأثر القانوني بين الحالتين.
الشرح القانوني للمصطلح
في مجال الإثبات، تمثل الخبرة إجراءً فنياً يهدف إلى كشف الحقيقة في مسائل تتجاوز الإدراك العادي. فمتى كانت الواقعة محل النزاع تحتاج إلى معاينة أو تحليل أو تقدير فني، جاز للمحكمة أن تنتدب خبيراً لدراسة المسألة وإعداد تقرير يبين فيه نتائج عمله ورأيه الفني.
ولا يعد تقرير الخبير حكماً مستقلاً في الدعوى، ولا يكون ملزماً للمحكمة بالمعنى المطلق في جميع الأحوال. فالقاضي يحتفظ بسلطة تقدير الأدلة، ويجوز له أن يعتمد على تقرير الخبير إذا اطمأنت إليه قناعته، كما يجوز له أن يعدل عنه أو يخالفه إذا وجد سبباً مقبولاً، بشرط أن يبين أسباب مخالفته أو عدم اعتماده.
وتنحصر مهمة الخبير في الجوانب الفنية، ولا تمتد إلى الفصل في المسائل القانونية. فلا يصح أن يتولى الخبير، مثلاً، تقرير صحة العقد أو بطلانه أو مسؤولية أحد الأطراف من الناحية القانونية، إلا إذا كان ذلك مرتبطاً بواقعة فنية تدخل في حدود مهمته، وبقي للقاضي استخلاص الأثر القانوني منها.
ويخضع الخبير، عند مباشرة عمله، لواجبات الحياد والاستقلال والأمانة المهنية، ويلتزم بالحدود التي رسمتها له المحكمة في قرار الندب. كما يملك الخصوم غالباً حق تقديم ملاحظاتهم على تقرير الخبير، وطلب إيضاحات أو خبرة مكملة أو خبرة جديدة إذا توافرت أسباب تبرر ذلك.
أركان أو عناصر المصطلح
- وجود نزاع أو إجراء قضائي: فالدور الأساسي للخبير يظهر عند الحاجة إلى بيان واقعة فنية في دعوى قائمة أو إجراء تحقيقي مرتبط بها.
- الحاجة إلى معرفة فنية: لا يُلجأ إلى الخبرة إلا إذا كانت المسألة المطروحة تحتاج إلى تخصص لا يتوافر عادة لدى المحكمة.
- ندب الخبير أو قبوله: يكون الخبير إما منتدباً من المحكمة، أو متفقاً عليه بين الخصوم، أو معيناً وفق القواعد الإجرائية المقررة في النظام القضائي.
- تحديد مهمة الخبير: يجب أن تحدد المحكمة أو اتفاق الخصوم نطاق عمل الخبير، حتى لا يتجاوز حدود السلطة الممنوحة له.
- توافر الصفة الفنية: يشترط في الخبير أن يكون ذا خبرة أو اختصاص في المجال المطلوب، وأن تتوافر فيه أهلية أداء المهمة على الوجه الأكمل.
- الحياد والاستقلال: ينبغي ألا تكون للخبير مصلحة شخصية في النزاع، وأن يتجنب كل ما يمس نزاهته أو يثير شبهة التحيز.
- إعداد التقرير: يخلص عمل الخبير عادة إلى تقرير يبين فيه الإجراءات التي باشرها، والبيانات التي اعتمد عليها، والنتائج الفنية التي توصل إليها.
- مناقشة التقرير: يكون تقرير الخبير قابلاً للمناقشة من الخصوم، وللjudge أن يأخذ به كلياً أو جزئياً أو يعدل عنه وفقاً لما تطمئن إليه قناعته.
مثال عملي
إذا نشأ نزاع بين مالك عقار ومقاول بشأن تشققات ظهرت في مبنى بعد التسليم، وادعى المالك أن سببها عيوب في التنفيذ، بينما دفع المقاول بأنها ناجمة عن عوامل خارجية، فقد تنتدب المحكمة مهندساً مدنياً مختصاً لفحص المبنى.
يقوم الخبير بمعاينة العقار، ودراسة مخططات البناء، وفحص مواد الإنشاء، وبيان ما إذا كانت التشققات مرتبطة بالتنفيذ أو بالتصميم أو بعوامل أخرى، مع تقدير تكلفة الإصلاح إذا كان ذلك داخلاً في مهمته. ولا يتولى الخبير الحكم بأن المقاول مسؤول قانوناً أو غير مسؤول، بل يبين الحقيقة الفنية، ثم تقوم المحكمة بتقدير الأثر القانوني لهذا التقرير في ضوء الأدلة والدفوع المقدمة.
0 تعليقات