إفشاء الأسرار
مقدمة
يُعدّ إفشاء الأسرار من الجرائم التي تمسّ الثقة الخاصة والعامة، باعتبارها تقوم على إخلال شخص بواجب الكتمان نشأ بحكم مهنته أو وظيفته أو عمله أو علاقته التعاقدية أو واقعة معينة أوكل إليه بموجبها سرٌّ لا يجوز الكشف عنه. ولا تقتصر خطورة هذه الجريمة على مجرد نقل معلومة، بل تمتد إلى ما قد يترتب على ذلك من ضرر للأفراد أو المؤسسات أو المصلحة العامة.
وتكتسب جريمة إفشاء الأسرار أهمية خاصة في ظل التطور التقني وتوسع التعاملات الإلكترونية، إذ أصبح الوصول إلى المعلومات السرية ونقلها أسهل وأسرع، مما يستوجب تشديد الالتزامات القانونية والمهنية المرتبطة بحماية البيانات والمعلومات ذات الصفة السرية.
التعريف الاصطلاحي
إفشاء الأسرار هو إطلاع شخص غير ذي صفة على معلومات سرية كانت بحوزة شخص آخر بحكم الثقة الممنوحة له، أو استغلال تلك المعلومات أو نشرها أو تمكين الغير من الاطلاع عليها بغير إذن من صاحب الحق في حفظها أو بغير سند قانوني يجيز الكشف عنها.
والإفشاء قد يكون صريحاً، مثل إفشاء السر بالقول أو الكتابة أو عبر الرسائل الإلكترونية، وقد يكون ضمنياً، مثل تسليم مستندات أو ملفات أو بيانات تتيح للغير الاطلاع على المعلومات السرية.
الشرح القانوني للمصطلح
يقوم المبدأ القانوني العام في جريمة إفشاء الأسرار على حماية الثقة والسرية. فالشخص الذي تُودع لديه معلومة سرية بحكم مهنته أو وظيفته أو عمله يكون ملتزماً بالمحافظة عليها، ولا يباح له استخدامها أو نقلها إلا ضمن الحدود التي يسمح بها القانون أو يقررها صاحب الحق في السرية.
ولا يشترط دائماً لقيام المسؤولية الجزائية أن يثبت وقوع ضرر مادي فعلي، إذ يكفي في كثير من الحالات أن يكون الإفشاء قد تم بغير حق، لأن مجرد كشف السر يمثل اعتداءً على الحق في السرية والثقة. ومع ذلك، فإن وقوع ضرر قد يؤثر في جسامة الفعل أو في مقدار التعويض المدني أو العقوبة المقررة.
وتشمل الأسرار المحمية أنواعاً متعددة، منها أسرار العمل، والأسرار المهنية، وأسرار البيانات الشخصية، والأسرار التجارية والصناعية، والأسرار المتعلقة بالمؤسسات العامة أو الخاصة، مع اختلاف نطاق الحماية باختلاف طبيعة السر والسند القانوني الذي يوجب كتمانه.
أركان أو عناصر المصطلح
-
وجود سر حقيقي:
يجب أن تكون المعلومة محل الحماية ذات طبيعة سرية، أي غير معلنة للعموم، وذات قيمة أو أهمية، وأن يكون صاحبها قد اتخذ تدابير معقولة لحمايتها أو أن تكون سرّيتها ناشئة بحكم المهنة أو الوظيفة أو القانون.
-
صفتان في الجاني:
ينبغي أن يكون الشخص الذي أفشى السر ممن وصلت إليه المعلومة بحكم الثقة، مثل الموظف أو الطبيب أو المحامي أو المستشار أو العامل أو الشريك أو أي شخص أوكل إليه سر بحكم عمله أو وظيفته أو علاقته القانونية.
-
الركن المادي:
يتمثل في فعل الإفشاء ذاته، ويشمل النقل أو النشر أو التسليم أو تمكين الغير من الاطلاع على المعلومات السرية، سواء كان ذلك بالقول أو الكتابة أو الصور أو الملفات الإلكترونية أو قواعد البيانات.
-
انتفاء الإذن أو السند القانوني:
لا تتحقق الجريمة إذا كان الكشف مبنياً على موافقة صاحب الحق في السرية، أو إذا كان القانون يبيح أو يوجب الكشف، مثل حالات الإبلاغ عن جريمة في الحدود التي يقررها القانون.
-
الركن المعنوي:
يشترط توافر القصد الجنائي، أي علم الجاني بطبيعة المعلومات السرية وعلمه بأنه ليس مأذوناً له بكشفها، مع توافر إرادته في إفشائها أو تمكين الغير من الاطلاع عليها.
مثال عملي
إذا قام موظف في بنك بالاطلاع على بيانات حسابات العملاء بحكم عمله، ثم أرسل إلى شخص خارجي معلومات عن أرصدة أحد العملاء أو تحويلاته المالية دون إذن العميل ودون سند قانوني، فإن فعله يعد إفشاءً للسر. فالبيانات المالية للعملاء تعد معلومات سرية بحكم طبيعة عمل البنك وبحكم الثقة الممنوحة للموظف.
وفي هذا المثال، تتوافر عناصر الجريمة بتوافر السر، وصفة الموظف باعتباره شخصاً ائتمنته المؤسسة على المعلومات، وصدور فعل الإفشاء، وانتفاء الإذن أو المبرر القانوني، مع علم الموظف بأن المعلومات سرية ولا يجوز الكشف عنها.
الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة
-
الفرق بين إفشاء الأسرار وخيانة الأمانة:
خيانة الأمانة تتعلق غالباً بتسليم شيء أو مال إلى شخص على وجه الائتمان ثم يقوم هذا الشخص بالتصرف فيه على خلاف الأمانة، مثل اختلاس مال أو إساءة التصرف فيه. أما إفشاء الأسرار فيتعلق بالكشف عن معلومات أو بيانات سرية، لا بالمال أو الشيء المادي بحد ذاته.
-
الفرق بين إفشاء الأسرار والتجسس:
التجسس يكون عادة موجهاً إلى أسرار الدولة أو الأمن الوطني أو المصالح السيادية، وقد يقوم به شخص غير مأتمن أصلاً على السر. أما إفشاء الأسرار فيقوم به غالباً شخص وصل إلى
الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، جرائم الاعتداء على الثقة، إفشاء الأسرار، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي
0 تعليقات