العلاقة السببية
مقدمة
تُعد العلاقة السببية ركناً أساسياً في تكوين المسؤولية الجنائية في الجرائم التي يتوقف فيها اكتمال الجريمة على وقوع نتيجة مادية معينة، كالقتل العمد أو الإيذاء المؤدي إلى الموت أو الحريق المتسبب في تلف المال. فهي الرابطة الموضوعية التي تصل بين سلوك الجاني والنتيجة الإجرامية المنسوبة إليه.
ولا يكفي في هذه الجرائم أن يثبت وقوع فعل إجرامي ووقوع نتيجة ضارة، بل يجب أن يثبت أن الفعل كان سبباً في إحداث تلك النتيجة. فإذا انعدمت العلاقة السببية أو انقطعت بسبب واقعة أجنبية مستقلة، تعذر إسناد النتيجة إلى الفاعل من الناحية الجنائية، وإن كان قد تبقى محل مساءلة عن فعل آخر مستقل.
التعريف الاصطلاحي
العلاقة السببية في القانون الجنائي هي: الرابطة الواقعية والقانونية التي تقوم بين السلوك الإجرامي، سواء كان عملاً إيجابياً أو امتناعاً عن عمل واجب، والنتيجة الضارة التي ترتبت عليه، بحيث لا تتحقق النتيجة لولا ذلك السلوك.
وبهذا المعنى، فإن العلاقة السببية ليست مجرد تلازم زمني بين الفعل والنتيجة، وإنما هي علاقة إسناد تسمح للقاضي بأن ينسب النتيجة إلى الجاني بوصفها أثراً قانونياً لسلوكه الإجرامي.
الشرح القانوني للمصطلح
تقوم العلاقة السببية على فكرة أن الجريمة ذات النتيجة لا تكتمل إلا إذا كان فعل الجاني قد أسهم في إحداث النتيجة الجنائية. فالقتل، مثلاً، لا يقوم بمجرد إطلاق النار أو توجيه الضربة، بل يستلزم أن تكون الرصاصة أو الضربة سبباً في وفاة المجني عليه.
وقد اختلفت النظريات الفقهية في معيار تحديد السبب الجنائي. فمنها من اعتمد نظرية تعادل الشروط، ومفادها أن كل شرط لا تتحقق النتيجة بدونه يعد سبباً فيها، حتى لو شاركته شروط أخرى. ومنها من تبنى نظرية السببية الملائمة، التي تعد الفعل سبباً إذا كان من شأنه، بحسب مجرى الأمور المعتاد، أن يؤدي إلى النتيجة التي وقعت.
وفي التطبيق العملي، لا يشترط أن يكون فعل الجاني هو السبب الوحيد للنتيجة، فقد تتعدد الأسباب، ومع ذلك يظل الفاعل مسؤولاً إذا كان فعله شرطاً جوهرياً في حدوثها. غير أن المسؤولية تنتفي أو تنقطع إذا تدخلت واقعة أجنبية مستقلة، كقوة قاهرة أو خطأ جسيم مستقل من الغير، بحيث تصبح هي السبب الحاسم في النتيجة.
وتختلف أهمية العلاقة السببية باختلاف نوع الجريمة. ففي جرائم النتيجة، كالقتل والإيذاء الجسيم، تكون السببية ركناً لازماً لإسناد النتيجة. أما في جرائم النشاط أو الجرائم الشكلية، فقد يكفي القانون مجرد القيام بالفعل المجرم دون انتظار تحقق نتيجة مادية معينة.
أركان أو عناصر المصطلح
- سلوك إجرامي: وهو الفعل أو الامتناع المنسوب إلى الجاني، مثل الضرب أو إطلاق النار أو ترك شخص في خطر دون إنقاذ مع وجود واجب قانوني بالتدخل.
- نتيجة مادية: وهي الأثر الضار الذي يستلزمه القانون لقيام الجريمة، مثل الوفاة في جريمة القتل، أو العاهة المستديمة في جريمة الإيذاء المؤدي إلى عاهة.
- علاقة شرطية بين السلوك والنتيجة: بمعنى أن النتيجة لا تتحقق لولا السلوك المنسوب إلى الجاني، فإذا ثبت أن النتيجة كانت ستقع بذات الطريقة دون هذا السلوك، ضعفت أو انتفت العلاقة السببية.
- عدم انقطاع السببية: يجب ألا تقوم بين السلوك والنتيجة واقعة أجنبية مستقلة تقطع أثر الفعل الأصلي، وتجعل النتيجة مرجعة إلى سبب جديد وحاسم.
- إمكانية الإسناد الجنائي: لا بد أن تكون النتيجة قابلة قانوناً لأن تُنسب إلى الجاني، وذلك في ضوء طبيعة الفعل وظروف وقوعه ومدى دخوله في مجرى الأمور المتوقع.
مثال عملي
إذا قام شخص بإطلاق نار على آخر فأصابه إصابة قاتلة، وتوفي المجني عليه بسبب تلك الإصابة، قامت العلاقة السببية بين فعل الجاني وواقعة الوفاة، لأن الوفاة لم تكن لتقع لولا إطلاق النار.
أما إذا أطلق شخص النار على آخر فأصابه إصابة غير قاتلة، ثم نُقل المجني عليه إلى المستشفى، فحدثت وفاة مفاجئة بسبب خطأ طبي جسيم ومستقل تماماً عن الإصابة الأصلية، فإن البحث ينصب على مدى انقطاع العلاقة السببية بين فعل الجاني والوفاة. فإذا ثبت أن الخطأ الطبي كان سبباً مستقلاً وحاس
الكلمات المفتاحية: مصطلحات قانونية، النظرية العامة للجريمة، العلاقة السببية، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي
0 تعليقات