الشاهد
مقدمة
يُعدّ الشاهد من أهم وسائل الإثبات في المجالين المدني والجزائي، إذ يستند القضاء في كثير من المنازعات إلى ما يدلي به الأشخاص الذين أدركوا واقعة معينة بحواسهم، ثم نقلوا ذلك أمام جهة مختصة سواء كانت محكمة أو جهة تحقيق أو سلطة مخولة قانوناً بسماع الشهادات. وتكتسب شهادة الشاهد أهميتها من كونها وسيلة مباشرة لكشف الحقيقة، لا سيما في الوقائع التي لا يسهل إثباتها بالمحررات أو القرائن أو الخبرة.
غير أن قيمة الشهادة لا تقوم بمجرد صفة الشخص على أنه شاهد، بل ترتبط بمدى أهلية الشاهد، وطريقة إدراكه للواقعة، ومدى اتصاله بها، ومدى مطابقته للإجراءات القانونية المقررة عند الإدلاء بالشهادة، ومن ثم يخضع تقييمها لسلطة المحكمة في وزن الأدلة وفق القواعد الإجرائية المعمول بها.
التعريف الاصطلاحي
الشاهد هو الشخص الذي يدلي أمام القضاء أو جهة التحقيق المختصة بما رآه أو سمعه أو أدركه بحواسه من وقائع لها علاقة بموضوع النزاع أو الجريمة، بقصد إثبات أو نفي واقعة معينة.
والشاهد بهذا المعنى يختلف عن مجرد المطلع أو المخبر، إذ لا تتحقق صفة الشاهد إلا إذا أدلى بما يعلمه بالطريقة والإجراءات التي يعترف بها القانون، كالتصريح بالهوية، وتأدية اليمين عند الاقتضاء، والإجابة عن أسئلة المحكمة أو جهة التحقيق، مع مراعاة أحكام الامتناع عن الشهادة أو منعها متى توافرت أسبابها.
الشرح القانوني للمصطلح
الشهادة هي الإخبار أمام جهة مختصة عن واقعة أدركها الشاهد بنفسه أو اطّلع عليها بطريق مباشر، وتُعدّ من أدلة الإثبات المسموح بها متى قبلها القانون في نوع النزاع المطروح. فالقانون قد يوسع من مجال الشهادة في المواد الجزائية، بينما يقيّدها في بعض المواد المدنية والتجارية، خاصة إذا كان الإثبات بالمحرر واجباً بحكم القانون أو بحكم طبيعة التصرف.
وتقوم الشهادة على فكرة الثقة في نقل الشاهد لما أدركه، لذلك يشترط أن يكون قادراً على التمييز والإفهام، وأن تكون الواقعة المشهود بها مما تدركه الحواس عادة، كالمعاينة أو السماع أو الملابسة المباشرة. أما الأقوال المستندة إلى الإشاعة أو التخمين أو الاستنتاج الشخصي المجرد، فلا تكون في الأصل ذات قيمة إثباتية مستقرة، إلا بقدر ما تساعد في توجيه البحث أو تكوين قرينة مع غيرها من الأدلة.
ومن الناحية الإجرائية، يسمع الشاهد غالباً بعد حلف اليمين على قول الحق، ويُدوّن قوله في محضر أو في حكم، ويجوز للمحكمة أو لخصوم الدعوى توجيه الأسئلة إليه لاستجلاء الملابسات، مع مراعاة حق الشاهد في الامتناع عن الإجابة في الحالات التي يحميها القانون، مثل القرابة أو الزوجية أو المهنة أو خطر التعرض للمساءلة الجزائية.
كما أن الشاهد قد يكون شاهد إثبات إذا كانت شهادته مؤيدة لادعاء أحد الخصوم، وقد يكون شاهد نفي إذا كانت شهادته مناقضة لهذا الادعاء أو مؤيدة للدفاع. ولا يشترط أن تكون الشهادة صحيحة لمجرد صدورها من شاهد، إذ يجوز الطعن فيها بعدم الدقة أو المغالطة أو التناقض، وقد تترتب على كتمان الحقيقة أو القول عمداً بخلافها مسؤولية قانونية وفقاً للنظام الإجرائي المعمول به.
أركان أو عناصر المصطلح
- الشخص الشاهد: وهو من يدلي بما يعلمه، ويشترط أن يكون متمتعاً بقدرة عقلية وبدنية تسمح له بالإدراك والنقل، وأن لا يقوم مانع قانوني من سماعه أو قبول شهادته.
- الواقعة المشهود بها: وهي الواقعة محل الإثبات، ويجب أن تكون محددة وممكنة الإدراك ومهمة في الفصل في النزاع أو الدعوى.
- الإدراك الحسي: ينبغي أن يستند الشاهد إلى ما رآه أو سمعه أو أدركه مباشرة، لا إلى مجرد ظن أو إشاعة أو استنتاج بعيد.
- الصلة بالواقعة: يجب أن تكون شهادة الشاهد مرتبطة بموضوع النزاع أو الجريمة، بحيث تساعد في إثبات واقعة مؤثرة أو نفيها.
- الأداء أمام جهة مختصة: لا تكتمل الصفة الإجرائية للشهادة إلا إذا أدلى بها أمام المحكمة أو جهة التحقيق أو السلطة المخولة قانوناً بسماعها.
- الالتزام بالإجراءات: يشمل ذلك التعريف بالشاهد، وسماعه بالطريقة المقررة، وتأدية اليمين متى كان ذلك لازماً، وتدوين أقواله في محضر أو حكم.
- الصدق والأمانة: من مقتضى صفة الشاهد أن يقول الحق، وأن لا يكتمه أو يحرّفه عمداً، لأن الشهادة أداة من أدوات العدالة وليست وسيلة للتلاعب بنتائج الدعوى.
مثال عملي
إذا نشب نزاع بين شخصين حول تسليم مبلغ من المال، فادعى أحدهما أنه سلّم المبلغ إلى الآخر نقداً دون تحرير سند مكتوب، وأنكر الثاني حدوث التسليم، جاز للطالب أن يستدل بشهادة شاهد حضر الواقعة ورأى عملية التسليم أو سمع إقراراً مباشراً بشأنها.
في هذه الحالة، يكون الشاهد هو الشخص الذي أدرك الواقعة بحواسه، ثم نقلها أمام المحكمة بعد استيفاء الإجراءات القانونية. فإذا رأى القاضي أن الشاهد قادر على التمييز، وأن شهادته واضحة ومتفقة مع الملابسات، جاز له أن يعتمد عليها في تكوين اقتناعه. أما إذا تبين أن الشاهد لم يحضر الواقعة، أو أن أقواله متناقضة، أو أنها مبنية على مجرد سماع من الغير، فإن قيمتها الإثباتية تضعف وقد لا يكفي الاعتماد عليها وحدها.
الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة
الفرق بين الشاهد والخبير:
الشاهد ينقل واقعة أدركها بحواسه، مثل ما رآه أو سمعه، أما الخبير فيُندب لإبداء رأي فني في مسألة تحتاج إلى معرفة خاصة، كالتقدير المحاسبي أو الطبي أو الهندسي. فالشاهد يثبت الوقائع، والخبير يوضح الجوانب الفنية المتعلقة بها.
الفرق بين الشاهد والمخبر:
المخبر هو من يبلغ السلطات عن وقوع جريمة أو واقعة، وقد لا يكون قد أدركها مباشرة، وقد لا يدلي بأقواله أمام المحكمة بوصفه شاهداً إلا إذا سُمع وفق الإجراءات القانونية. أما الشاهد فهو من يدلي بما يعلمه أمام جهة مختصة في إطار إجراءات الإثبات.
الفرق بين الشاهد والمقرّ:
المقرّ هو الخصم الذي يعترف أمام القضاء أو أمام خصمه بواقعة تثبت حقاً للآخر أو تنفي حقاً له. أما الشاهد فهو شخص يؤدي ما يعلمه عن واقعة، ولا يكون في الأصل طرفاً في النزاع.
الفرق بين الشاهد وصاحب المحرر:
صاحب المحرر أو من حرّر المستند يثبت الواقعة بوثيقة مكتوبة، بينما الشاهد يثبت الواقعة بالقول المنقول أمام جهة مختصة. وقد تكون الشهادة مكملة للمحررات أو بديلة عنها في الحالات التي يجيز فيها القانون الإثبات بشهادة الشهود.
الفرق بين الشاهد وشهادة الزور:
الشاهد هو وسيلة إثبات مشروعة متى أدى الشهادة وفق القانون، أما شهادة الزور فهي جريمة أو مخالفة جزائية تقع عندما يدلي الشاهد عمداً بما يخالف الحقيقة أو يكتمها في موضع يجب فيه إظهارها، وفق الضوابط التي يقررها القانون.
خاتمة
يحتل الشاهد مكانة مهمة في نظام الإثبات، باعتباره وسيلة مباشرة لكشف الوقائع ومساعدة القضاء على تكوين الاقتناع. غير أن هذه
الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، أدلة الإثبات، الشاهد، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي
0 تعليقات