تزوير محرر عرفي

تزوير محرر عرفي

مقدمة

يُعد تزوير المحرر العرفي من صور جرائم التزوير التي تمس الثقة في الوثائق الخاصة، وتؤثر في التعاملات المدنية والتجارية بين الأفراد. فالمحررات العرفية، كالعقود الخاصة والإقرارات والوصولات والحوالات والاتفاقات المكتوبة بين الأفراد، تُستخدم بكثرة لإثبات الحقوق والالتزامات، ومن ثم فإن العبث بها أو نسبتها زوراً إلى غير أصحابها يمثل خطراً مباشراً على الاستقرار القانوني والمعاملات اليومية.

وتتميز جريمة تزوير المحرر العرفي بأنها لا تقع على محرر رسمي صادر من موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة في حدود اختصاصه، وإنما تقع على محرر صادر من الأفراد أنفسهم، مع توافر القصد الجنائي واتجاه التزوير إلى إحداث ضرر أو إمكانية إحداثه.

التعريف الاصطلاحي

تزوير المحرر العرفي هو تغيير الحقيقة عمداً في محرر خاص صادر من الأفراد، سواء بإنشائه من أصل غير صحيح، أو بإضافة عبارات أو بيانات كاذبة إليه، أو بحذف ما فيه، أو بتغيير مضمونه، أو بنسب توقيعه أو كتابته إلى شخص لم يصدر عنه، بقصد استعماله على نحو يضر بالغير أو يغير في مركز قانوني ثابت أو محتمل.

والمحرر العرفي هو كل محرر يصدر عن أشخاص عاديين في تعاملاتهم الخاصة، من دون أن يتدخل فيه موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة بوصفه مختصاً بإثبات واقعة أو عقد رسمي. ومن أمثلته: العقود العرفية، الإقرارات بالدين، الوصالات، الخطابات الموقعة، المحاضر الخاصة، والتنازلات المكتوبة بين الأفراد.

الشرح القانوني للمصطلح

يقوم مفهوم تزوير المحرر العرفي على فكرة حماية حجية المستندات الخاصة ومنع استعمالها وسيلة للاعتداء على حقوق الغير. فإذا كان المحرر الرسمي يستمد قوته من صدوره من سلطة عامة مختصة، فإن المحرر العرفي يستمد قيمته من نسبته إلى أشخاصه الموقعين أو الذين يُفترض أنهم أمضوه أو كتبوه.

ويترتب على ذلك أن التزوير في المحرر العرفي قد يتم بطرق متعددة، منها انتحال توقيع الغير، أو توقيع شخص باسم مستعار بقصد الغش، أو تغيير مبلغ في وصل أو عقد، أو إضافة شرط لم يكن موجوداً، أو محو شرط قائم، أو تغيير التاريخ، أو إنشاء محرر كامل يحمل بيانات غير صحيحة.

ولا يكفي لقيام الجريمة مجرد الخطأ أو السهو في تحرير المستند، بل يشترط توافر القصد الجنائي، أي علم الجاني بأن ما يقوم به مخالف للحقيقة، واتجاه إرادته إلى إحداث تغيير كاذب في المحرر أو استعماله على هذا الوجه. كما يشترط غالباً أن يكون التزوير من شأنه إحداث ضرر أو أن يكون المستند المزور صالحاً لأن يترتب عليه أثر قانوني أو عملي.

أركان أو عناصر المصطلح

تتكون جريمة تزوير المحرر العرفي، بوجه عام، من العناصر الآتية:

  • المحل: أن يكون محل التزوير محرراً عرفياً، أي مستنداً خاصاً صادراً من الأفراد لا من سلطة عامة مختصة بإضفاء الصفة الرسمية عليه.
  • الركن المادي: أن يقع فعل التزوير، سواء بإنشاء المحرر المزور ابتداءً، أو بتغيير مضمون محرر صحيح، أو بإضافة عبارات كاذبة، أو بحذف عبارات صحيحة، أو بانتحال توقيع، أو بتغيير تاريخ أو مبلغ أو بيانات جوهرية.
  • الركن المعنوي: توافر القصد الجنائي، بأن يعلم الجاني أن المحرر غير مطابق للحقيقة، وأن يتجه قصدُه إلى استعماله أو تمكين غيره من استعماله بما يضر بالغير أو يغير الحقوق.
  • إمكانية الضرر: لا يلزم في كثير من التطبيقات القانونية تحقق الضرر الفعلي، بل يكفي أن يكون التزوير صالحاً لأن يؤدي إلى ضرر أو إلى إثبات أمر غير صحيح.
  • النسبة إلى غير صاحبه: في صور انتحال التوقيع أو الإنشاء باسم الغير، يجب أن يكون التزوير موجهاً إلى نسب المحرر أو التوقيع إلى شخص لم يصدر عنه فعلياً.

مثال عملي

إذا قام شخص بكتابة وصل استلام مبلغ مالي باسم شخص آخر دون علمه أو موافقته، ووقّع بتوقيع مزور، ثم قدم هذا الوصل إلى محكمة أو إلى جهة خاصة لإثبات أنه سدد ديناً أو استوفى حقاً لم يكن قد دفعه فعلاً، فإن فعله يدخل في نطاق تزوير المحرر العرفي؛ لأنه أنشأ مستنداً خاصاً مزوراً ونسبه إلى شخص لم يصدر عنه، بقصد استعماله في إحداث أثر قانوني أو عملي.

كذلك إذا كان هناك عقد عرفي بين طرفين، فقام أحد الأطراف بتغيير مبلغ الثمن من ألف إلى عشرة آلاف بعد توقيع الطرف الآخر، أو أضاف بنداً جديداً لم يتفق عليه الطرفان، فإن هذا التغيير المتعمد في مضمون المحرر العرفي قد يشكل تزويراً متى توافر القصد الجنائي وإمكانية الضرر.

الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة

الفرق بين تزوير المحرر العرفي وتزوير المحرر الرسمي: يزور المحرر العرفي عندما يكون المستند صادراً من الأفراد أنفسهم، مثل عقد بيع عرفي أو وصل موقع بين شخصين. أما تزوير المحرر الرسمي فيقع على مستند صادر من موظف عام أو شخص مكلف بخدمة عامة في حدود اختصاصه، مثل العقود الموثقة أمام جهة مختصة أو المحاضر الرسمية. والفرق بينهما مهم لأن طبيعة الحماية والعقوبة والإجراءات قد تختلف بحسب النظام القانوني.

الفرق بين التزوير والتصحيح أو التعديل المشروع: لا يعد التصحيح أو التعديل تزويراً إذا صدر برضا الأطراف وبطريقة قانونية، مثل شطب عبارة وكتابة بديلها مع توقيع الأطراف أو وضع توقيعات اعتماد بجانب التعديل. أما إذا جرى التغيير سراً أو من طرف واحد أو منسوباً إلى شخص لم يوافق عليه، فقد يتحول إلى تزوير.

الفرق بين تزوير المحرر العرفي والتدليس: التدليس يتمثل في استعمال وسائل خادعة لحمل الشخص على التعاقد أو التصرف، مثل تقديم بيانات مضللة أو إخفاء معلومات جوهرية. أما تزوير المحرر العرفي فيتعلق بإنشاء أو تغيير مستند خاص على خلاف الحقيقة. وقد يجتمع الأمران إذا استُخدم المحرر المزور وسيلة للتدليس.

الفرق بين التزوير واستعمال المزور: التزوير هو فعل إنشاء المحرر أو تغييره أو انتحال توقيعه، بينما استعمال المزور هو تقديم المستند المزور أو الاعتماد عليه مع العلم بتزويره. وقد يسأل الشخص عن جريمة الاستعمال وحدها إذا لم يثبت أنه هو من قام بفعل التزوير، لكنه استعمل المستند المزور عن علم.

الفرق بين انتحال التوقيع والتوقيع باسم مستعار: انتحال التوقيع يكون بنقل أو تقليد توقيع شخص معين دون إذنه. أما التوقيع باسم مستعار فقد لا يكون تزويراً بذاته إذا لم يقصد به الإضرار بالغير أو إحداث نسبة كاذبة إلى شخص محدد، لكنه قد يدخل في نطاق التزوير إذا استُخدم لإخفاء الهوية أو إلحاق ضرر بحقوق الآخرين.

خاتمة

يُعد تزوير المحرر العرفي جريمة خطيرة لما يترتب عليه من إخلال بالثقة في المستندات الخاصة وتعريض الحقوق المدنية والتجارية للاعتداء. ولا تقوم الجريمة بمجرد وجود اختلاف أو خطأ في محرر عرفي، بل تستلزم تغييراً عمداً في الحقيقة، وقصداً جنائياً، وإمكانية إحداث ضرر أو أثر قانوني.

وتظهر أهمية التمييز بين المحرر العرفي والمحرر الرسمي وبين الت


الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، جرائم التزوير، تزوير محرر عرفي، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي

0 تعليقات