الخطأ غير العمدي

الخطأ غير العمدي

مقدمة

يُعد الركن المعنوي ركناً أساسياً في المسؤولية الجنائية، إذ لا تكفي مجرد صدور فعل مادي منسوب إلى شخص حتى تقوم مسؤوليته الجزائية، بل يجب أن يقترن هذا الفعل بصورة من صور الإدراك والإرادة. وتتعدد صور الركن المعنوي بحسب طبيعة الجريمة، فمنها ما يقوم على القصد الجنائي، ومنها ما يقوم على الخطأ غير العمدي، وهو الصورة التي يقع فيها الضرر أو تتحقق النتيجة الإجرامية دون أن يكون الجاني قد توافرت لديه إرادة إحداثها، مع ثبوت تقصير منه في مراعاة الحيطة والحذر الواجبين.

وتكتسب دراسة الخطأ غير العمدي أهمية خاصة في الجرائم التي تمس السلامة العامة، مثل حوادث السير، والأخطاء الطبية، والحوادث المهنية، وحوادث العمل، إذ يقوم فيها الركن المعنوي على الإهمال أو عدم الانتباه أو مخالفة قواعد الحيطة، لا على القصد في إحداث النتيجة الضارة.

التعريف الاصطلاحي

الخطأ غير العمدي هو صورة من صور الركن المعنوي تقوم على صدور فعل أو امتناع عن فعل، يخالف به الجاني واجباً قانونياً أو مهنياً أو اجتماعياً في الحيطة والحذر، فينتج عن ذلك ضرر أو نتيجة إجرامية لم يقصدها، وكان بالإمكان توقعها أو منعها لو التزم الجاني بواجب العناية المطلوب.

وبعبارة أخرى، فإن الخطأ غير العمدي لا يستند إلى إرادة إحداث النتيجة الإجرامية، وإنما يستند إلى إهمال أو رعونة أو عدم احتياط أو مخالفة للأنظمة والتعليمات، مما يؤدي إلى تحقق نتيجة لم تكن مقصودة، لكنها كانت متوقعة وممكنة التجنب.

الشرح القانوني للمصطلح

يقوم الخطأ غير العمدي في نطاق الركن المعنوي على فكرة الانحراف عن معيار الشخص المعتاد في الحيطة والحذر. فإذا تصرف شخص بطريقة لا تتفق مع ما كان ينبغي أن يفعله شخص عادي prudent في الظروف ذاتها، ونتج عن هذا التصرف ضرر، أمكن وصف سلوكه بأنه خطأ غير عمدي.

ولا يشترط في الخطأ غير العمدي أن يكون الجاني قد أراد النتيجة الإجرامية، بل يكفي أن تكون النتيجة قد وقعت نتيجة تقصيره. فالسائق الذي يسير بسرعة زائدة في منطقة مزدحمة لا يقصد غالباً دهس أحد المارة، غير أن مخالفته لقواعد السلامة تجعله مسؤولاً عن النتيجة التي ترتبت على سلوكه إذا قامت علاقة السببية بين السرعة والحادثة.

كما أن الخطأ غير العمدي قد يكون إيجابياً، كأن يصدر فعل غير محتاط، وقد يكون سلبياً، كأن يمتنع الشخص عن اتخاذ إجراء كان يفرضه عليه القانون أو المهنة أو طبيعة العمل. ومن أمثلة الخطأ السلبي امتناع الطبيب عن إجراء فحص لازم، أو امتناع المسؤول عن السلامة في منشأة صناعية عن اتخاذ تدابير وقائية معروفة.

وتختلف درجة الخطأ غير العمدي بحسب جسامة المخالفة ومدى وضوح الخطر وقدرة الجاني على توقعه وتجنبه. وقد تشترط بعض التشريعات في المسؤولية الجنائية عن الأفعال غير العمدية توافر خطأ ذي خطورة معينة، خصوصاً في الجرائم التي تمس السلامة البدنية أو العامة.

أركان أو عناصر المصطلح

يتكون الخطأ غير العمدي، باعتباره صورة من صور الركن المعنوي، من عدة عناصر يجب توافرها حتى تقوم المسؤولية:

  • وجود واجب الحيطة والحذر: يجب أن يكون على الجاني واجب قانوني أو مهني أو اجتماعي يقتضي منه سلوكاً محتاطاً، مثل الالتزام بقواعد المرور، أو أصول المهنة، أو تعليمات السلامة.
  • الإخلال بواجب العناية: يتمثل في الإهمال أو عدم الانتباه أو الرعونة أو مخالفة الأنظمة أو عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة. ولا يكفي مجرد وقوع الضرر، بل يجب أن ينسب إلى الجاني سلوك مقصر.
  • تحقق نتيجة ضارة أو إجرامية: غالباً ما ترتبط الجرائم غير العمدية بنتيجة مادية، مثل وفاة شخص أو إصابته أو حدوث ضرر جسيم، وذلك لأن الركن المعنوي فيها لا يقوم على القصد في إحداث النتيجة.
  • علاقة السببية: يجب أن يكون الخطأ غير العمدي هو السبب المباشر أو الفعال في وقوع النتيجة، بحيث لا تنقطع الصلة بين سلوك الجاني والضرر بسبب سبب أجنبي مستقل.
  • إمكانية توقع النتيجة وتجنبها: يقوم الخطأ غير العمدي على افتراض أن الجاني كان يستطيع، بحسب ظروف الواقعة، أن يتوقع الخطر أو أن يمنعه لو التزم بواجب العناية المطلوب.

مثال عملي

إذا قاد شخص مركبة بسرعة تتجاوز الحد المسموح به داخل حي سكني مزدحم، ثم فقد السيطرة على المركبة فصدم أحد المارة، فإن السائق لا يكون قد قصد إحداث الإصابة أو الوفاة، غير أن سلوكه ينطوي على خطأ غير عمدي؛ لأنه خالف قاعدة أساسية من قواعد المرور، وهي الالتزام بالسرعة المقررة، وكان من الممكن توقع وقوع حادث في مثل هذه الظروف، كما كان بإمكانه تجنبه لو سار بالسرعة القانونية.

وفي هذا المثال، يتحقق الركن المادي بالقيادة والسرعة والاصطدام والضرر، أما الركن المعنوي فيتمثل في الخطأ غير العمدي، أي عدم الالتزام بواجب الحيطة والحذر الواجب على السائق.

الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة

المصطلح وجه الفرق
الخطأ غير العمدي يقوم على الإهمال أو عدم الحيطة أو مخالفة واجب العناية، دون قصد إحداث النتيجة الإجرامية.
الجريمة العمدية يقوم الركن المعنوي فيها على القصد الجنائي، أي توافر الإرادة والعلم لدى الجاني باتجاه النتيجة الإجرامية أو على الأقل قبولها.
الخطأ العمدي يوجد فيه قصد أو إرادة موجهة، سواء إلى الفعل أو إلى النتيجة، بخلاف الخطأ غير العمدي الذي يغيب فيه القصد الجنائي تجاه النتيجة.
الحادث المفاجئ أو القوة القاهرة لا تنس

الكلمات المفتاحية: مصطلحات قانونية، الركن المعنوي، الخطأ غير العمدي، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي

0 تعليقات