الإكراه

الإكراه

مقدمة

يُعد الإكراه من الموانع المهمة للمسؤولية؛ لأنه يمس أساس الرضا والإرادة في التصرفات القانونية، وقد يمس كذلك حرية الاختيار في الأفعال المادية التي يترتب عليها أثر قانوني. فالقاعدة العامة أن المسؤولية تقوم على فعل صادر عن إرادة حرة، فإذا انتفى هذا الاختيار أو تشوه بفعل ضغط خارجي جسيم، أصبح النظر في أثر الفعل ومسؤولية فاعله محل اعتبار خاص.

ويتخذ الإكراه صوراً متعددة، فقد يكون مادياً يسلط على الجسم فيفقد الشخص قدرته على التحكم في حركته، وقد يكون معنوياً يتجه إلى النفس فيدفع الشخص إلى سلوك معين خوفاً من ضرر جسيم. وبذلك يختلف أثره باختلاف درجة الضغط، ومدى جدية التهديد، وإمكانية المقاومة، وطبيعة التصرف أو الفعل الذي صدر تحت وطأته.

التعريف الاصطلاحي

الإكراه هو ضغط خارجي يمارس على الشخص، مادياً كان أو معنوياً، بحيث يضعف إرادته أو يزيل حريتها، فيدفعه إلى القيام بعمل أو الامتناع عنه، أو إلى قبول تصرف قانوني لم يكن ليقبله لولا ذلك الضغط.

وفي الاصطلاح القانوني، لا يكفي مجرد وجود ضغط أو إقناع عادي لقيام الإكراه، بل يشترط أن يبلغ هذا الضغط درجة تجعل الشخص في حالة خوف جدي من ضرر كبير، أو تجعله عاجزاً مادياً عن مخالفة ما أُمِر به.

الشرح القانوني للمصطلح

يستند الإكراه بوصفه مانعاً من موانع المسؤولية إلى فكرة انتفاء الإرادة الحرة أو اختلالها. فإذا صدر الفعل من شخص كان واقعاً تحت تهديد محقق بضرر جسيم، فإن القانون ينظر إلى الظروف المحيطة بالفعل، لا إلى ظاهر السلوك وحده. فقد يبدو الشخص فاعلاً مادياً للفعل، لكنه في حقيقته لم يكن مختاراً اختياراً كاملاً.

وفي المجال المدني، يترتب على الإكراه غالباً عيب في الرضا، إذ أن العقد أو التصرف الصادر تحت ضغط غير مشروع يكون قابلاً للإبطال أو الطعن، لأن الرضا الذي بني عليه التصرف لم يكن تعبيراً حراً عن إرادة سليمة. أما في المجال الجزائي، فقد يؤدي الإكراه إلى نفي المسؤولية إذا بلغ حد الإزالة التامة للإرادة، كما في الإكراه المادي الذي يفقد الشخص السيطرة على حركته، وقد يؤدي إلى التخفيف أو انتفاء العقاب في حالات الإكراه المعنوي الجسيم، بحسب طبيعة النظام القانوني والواقعة محل النظر.

ويلاحظ أن الإكراه لا يبرر كل فعل بصورة مطلقة. فالقانون يوازن بين درجة الإكراه، وخطورة الفعل المرتكب، ومدى توافر وسيلة قانونية أو واقعية لتجنب الضرر. كما أن استعمال الإكراه لا يحول الضرر إلى حق، وإنما قد ينقل محل المساءلة أو يخفف من أثرها بحسب الحالة.

أركان أو عناصر المصطلح

  • وجود ضغط خارجي: لا يكون الإكراه مجرد تردد أو خوف داخلي، بل يجب أن يصدر عن مؤثر خارجي، سواء كان تهديداً من شخص آخر أو قوة مادية غالبة.
  • جدية التهديد أو شدة الضغط: يجب أن يكون التهديد بضرر جسيم، كالخطر على الحياة أو السلامة البدنية أو الحرية أو الشرف، وأن يكون قادراً على التأثير في شخص عادي.
  • حالة الخوف أو انعدام الاختيار: يجب أن يكون الضغط مؤثراً في الإرادة إلى درجة تجعل الشخص يمتثل خوفاً من وقوع الضرر، أو تجعله عاجزاً عن مقاومة القوة المادية المسلطة عليه.
  • العلاقة السببية بين الإكراه والفعل: يجب أن يكون الفعل أو التصرف نتيجة مباشرة للإكراه، بحيث لا يثبت أن الشخص كان سيقوم به اختياراً مستقلاً لولا الضغط الواقع عليه.
  • عدم مشروعية الضغط في الغالب: غالباً ما يكون الإكراه مانعاً للمسؤولية إذا كان الضغط غير مشروع. أما الضغط المشروع، كتنفيذ حكم قضائي أو إجراء نظامي صحيح، فلا يعد إكراهاً بالمعنى الذي يزيل المسؤولية.

مثال عملي

إذا قام شخص بإجبار موظف في بنك، تحت التهديد بسلاح حاد، على فتح خزنة أو تسليم أموال، فإن الموظف يكون قد تصرف تحت إكراه معنوي جسيم. ففي هذه الحالة، قد لا تقوم مسؤوليته الجنائية عن التسليم إذا ثبت أن التهديد كان حقيقياً ومباشراً، وأن المقاومة كانت مستحيلة أو محفوفة بخطر كبير على حياته.

ومثال آخر في المجال المدني: إذا وقع شخص عقداً لبيع عقاره تحت تهديد بإلحاق ضرر جسيم به أو بأحد أفراد أسرته، فإن رضاه يكون معيباً بالإكراه. ومن ثم يجوز له طلب إبطال العقد أو الطعن في أثره، لأن العقد لم ينشأ عن إرادة حرة ومستقرة.

الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة

الإكراه والتهديد: التهديد هو التعبير عن إرادة إلحاق ضرر بالمكره إذا لم يمتثل، أما الإكراه فهو الأثر القانوني المترتب على ذلك التهديد حين يصل إلى درجة تؤثر في الإرادة أو تزيل حرية الاختيار. فكل إكراه معنوي يقوم غالباً على تهديد، ولكن ليس كل تهديد يبلغ مرتبة الإكراه.

الإكراه والضرورة: تقوم الضرورة عندما يجد الشخص نفسه أمام خطر جسيم لم يخلقه إنسان معين، فيختار ارتكاب فعل أقل ضرراً لتجنب ضرر أكبر، مثل إتلاف مال لإنقاذ حياة شخص. أما الإكراه فيقوم غالباً على ضغط صادر عن شخص آخر يدفع المكره إلى التصرف.

الإكراه والغلط: الغلط هو وهم أو تصور غير صحيح يقوم في ذهن الشخص بشأن واقعة أو حكم قانوني، فيؤثر في رضاه. أما الإكراه فهو ضغط خارجي يدفع الشخص إلى التصرف خوفاً أو قهراً، ولو كان مدركاً لحقيقة ما يفعله.

الإكراه والتدليس: التدليس هو خداع الشخص بحيلة أو تمويه ليحمل على التصرف، بينما الإكراه هو إرهاب أو إجبار يجعل الشخص يمتثل رغم كراهيته للتصرف أو رفضه له.

الإكراه والإلزام القانوني: لا يعد تنفيذ الشخص لأمر صادر بناءً على قانون أو حكم قضائي صحيح إكراهاً بالمعنى الذي يزيل المسؤولية، لأن الالتزام هنا يستند إلى سند مشروع، لا إلى ضغط غير قانوني يهدد الإرادة.

خاتمة

يُظهر الإكراه أن المسؤولية القانونية لا تقوم بمجرد صدور الفعل، بل تستلزم توافر إرادة حرة واختيار قائم. فإذا ثبت أن الشخص تصرف تحت ضغط جسيم أزال إرادته أو شوه رضاه، فإن القانون يتدخل لمراعاة هذه الحالة إما بنفي المسؤولية أو بتخفيفها، أو بإبطال التصرف المدني الصادر تحت وطأة الضغط.

ومع ذلك، فإن الإكراه لا يُقبل على إطلاقه، بل يخضع لتقدير دقيق يقوم على جدية التهديد، ومد


الكلمات المفتاحية: مصطلحات قانونية، موانع المسؤولية، الإكراه، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي

0 تعليقات