استغلال النفوذ
مقدمة
تُعد جرائم الوظيفة العامة من الجرائم التي تمس ثقة المجتمع في مؤسسات الدولة ونزاهة العمل العام، لأنها تقوم على الإخلال بالواجبات المرتبطة بالمنصب أو السلطة أو النفوذ. ومن بين هذه الجرائم جريمة استغلال النفوذ، وهي صورة من صور الانحراف بالسلطة أو المكانة، حيث يستخدم الشخص ما يتمتع به من تأثير حقيقي أو ظاهر في غير الغاية التي منح من أجلها هذا النفوذ.
وتكتسب هذه الجريمة خطورتها من أنها لا تقتصر أثرها على الضرر الفردي الذي قد يلحق بالمتضرر، بل تمتد إلى تقويض مبدأ المساواة أمام القانون، وإضعاف الشفافية في اتخاذ القرار، وزعزعة الثقة في الإدارة والمرافق العامة.
التعريف الاصطلاحي
يُقصد باستغلال النفوذ اصطلاحاً: استخدام الشخص لما لديه من نفوذ أو سلطان أو مركز اجتماعي أو وظيفي أو علاقات شخصية أو مهنية، للتأثير في قرار أو إجراء أو موقف، بهدف الحصول على منفعة غير مستحقة لنفسه أو لغيره، أو لإلحاق ضرر بالغير، أو تعطيل حق، أو توجيه عمل عام أو خاص على خلاف مقتضيات العدالة والنزاهة.
وقد يكون النفوذ حقيقياً ناشئاً عن منصب رسمي أو سلطة فعلية، وقد يكون ظاهرياً قائماً على الاعتقاد السائد بأن الشخص قادر على التأثير في جهة أو مسؤول أو قرار معين، حتى لو لم تكن له سلطة مباشرة في ذلك القرار.
الشرح القانوني للمصطلح
يقوم المفهوم القانوني لاستغلال النفوذ على فكرة الانحراف بالغرض من السلطة أو المكانة. فالنفوذ بحد ذاته لا يكون مجرماً إذا استُخدم في إطار مشروع، مثل التوصية القانونية أو تقديم معلومات صحيحة أو ممارسة حق من الحقوق النظامية. أما الجريمة فتتحقق عندما يتحول هذا النفوذ إلى وسيلة للحصول على امتياز غير مستحق أو التأثير في قرار خلاف مقتضيات القانون والعدالة.
ولا يشترط دائماً أن يكون الجاني موظفاً عاماً وقت ارتكاب الفعل، فقد يرتكب الجريمة موظف سابق، أو شخص قريب من صاحب قرار، أو وسيط يدعي القدرة على التأثير في جهة عامة، إذا ثبت أن هذا النفوذ استُخدم لتحقيق غرض غير مشروع.
كما أن محل الجريمة قد يكون قراراً إدارياً، أو إجراءً تعاقدياً، أو تعييناً، أو ترقية، أو إحالة إلى جهة معينة، أو تسريع إجراء، أو تعطيل حق، أو توجيه تحقيق، أو التأثير في سير عمل عام أو خاص.
أركان أو عناصر المصطلح
-
الركن الشخصي:
يتحقق بوجود شخص يتمتع بنفوذ حقيقي أو ظاهري، سواء كان هذا النفوذ ناشئاً عن وظيفة رسمية، أو مركز اجتماعي، أو علاقة شخصية، أو صلة مهنية، أو سابق منصب، أو مجرد ادعاء مقنع بالقدرة على التأثير.
-
الركن المادي:
يتمثل في استعمال هذا النفوذ للتأثير في قرار أو إجراء أو موقف، سواء كان ذلك التأثير فعلياً أو محاولة للتأثير، بشرط أن يكون الغرض من هذا الاستعمال غير مشروع أو مخالفاً لمقتضيات النزاهة والمساواة.
-
الركن المعنوي:
يتطلب توافر القصد الجنائي، أي علم الجاني بوجود نفوذه وقدرته على التأثير، مع اتجاه إرادته إلى استعمال هذا النفوذ لتحقيق منفعة غير مستحقة أو إحداث ضرر أو تعطيل حق.
-
العنصر غير المشروع:
يجب أن يكون الهدف من استعمال النفوذ مخالفاً للقانون أو لمبدأ المساواة أو لواجبات الوظيفة العامة، وذلك تمييزاً بين الاستغلال المجرم وبين التوصية أو الوساطة المشروعة.
-
علاقة السببية:
يجب أن تكون هناك علاقة بين استعمال النفوذ والنتيجة المتحققة أو السعي إلى تحقيقها، كأن يكون القرار أو الإجراء قد صدر أو سعي الجاني إلى صدوره بسبب هذا التأثير.
مثال عملي
إذا كان شخص يعمل في جهة حكومية أو كان موظفاً سابقاً فيها، فاستغل معرفته بمدير إدارة أو لجنة مشتريات، وضغط عليه لتوجيه مناقصة عامة إلى شركة يملكها قريبه، مقابل وعد بمنفعة شخصية أو مقابل تعزيز مكانته الوظيفية، فإن ذلك يعد صورة عملية لاستغلال النفوذ، لأن الشخص استخدم مركزه وعلاقاته للتأثير في قرار إداري كان يجب أن يصدر وفق معايير الحياد والمساواة والكفاءة.
وتزداد جسامة الواقعة إذا ترتب على هذا التأثير إقصاء منافسين مستحقين، أو إلحاق ضرر بالمال العام، أو حصول شركة معينة على أفضلية غير قانونية، أو تقديم منفعة للجاني أو لغيره دون وجه حق.
الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة
يختلف استغلال النفوذ عن الرشوة بأن الرشوة تقوم غالباً على اتفاق بين طالب الخدمة وصاحب الوظيفة أو المؤثر، يتضمن اتفاقاً على إعطاء أو قبول منفعة مقابل القيام بعمل أو الامتناع عنه. أما استغلال النفوذ فقد يتحقق دون مقابل مالي مباشر، إذا استخدم الشخص نفوذه للتأثير في قرار أو إجراء بصورة غير مشروعة.
كما يختلف عن الاختلاس، لأن الاختلاس يتعلق بالاستيلاء غير المشروع على مال عام أو مال مؤتمن عليه، بينما استغلال النفوذ يتعلق بالتأثير في قرار أو إجراء أو موقف من خلال مكانة أو علاقات أو سلطة.
ويختلف أيضاً عن إساءة استعمال السلطة، إذ تختص إساءة استعمال السلطة غالباً بالموظف الذي يمارس سلطة قانونية مخولة له لكنه ينحرف بها عن غرضها، بينما استغلال النفوذ قد يرتكبه شخص لا يملك سلطة مباشرة، لكنه يملك تأثيراً حقيقياً أو ظاهرياً على من يملك القرار.
أما الفرق بينه وبين المحاباة، فيظهر في أن المحاباة تعبير عن الانحياز إلى شخص معين في معاملة أو قرار، وقد تكون إحدى صور استغلال النفوذ إذا صدرت بسبب الضغط أو التأثير أو المنفعة غير المشروعة.
ويختلف استغلال النفوذ عن الوساطة المشروعة، لأن التوصية القانونية أو تقديم المعلومات الصحيحة أو طلب النظر في أمر وفق النظام لا تعد استغلالاً للنفوذ، ما دامت لا تقوم على ضغط غير مشروع أو وعد بمنفعة أو إلحاق ضرر بالغير أو إخلال بمبدأ المساواة.
خاتمة
يمثل استغلال النفوذ خطراً جسيماً على نزاهة الوظيفة العامة وعدالة الإجراءات، لأنه يحوّل المكانة أو العلاقات أو السلطة إلى وسيلة للحصول على امتيازات غير مستحقة أو التأثير في قرارات كان ينبغي أن تخضع للقانون والموضوعية.
ولذا فإن مواجهته لا تقتصر على النص على تجريمه، بل تتطلب تعزيز الرق
الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، جرائم الوظيفة العامة، استغلال النفوذ، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي
0 تعليقات