نشر أخبار كاذبة
مقدمة
يُعدّ نشر الأخبار الكاذبة من الجرائم المرتبطة بوسائل التعبير والنشر، نظراً لما يترتب عليه من أثر مباشر في الرأي العام والاستقرار الاجتماعي والأمن الوطني. ومع تطور وسائل الاتصال وانتشار المنصات الرقمية، لم يعد النشر مقتصراً على الصحف المطبوعة، بل امتدّ ليشمل مواقع التواصل الاجتماعي والمدونات والرسائل الجماعية والبث الإلكتروني.
وتكتسب هذه الجريمة أهمية خاصة لأنها تمسّ ثقة الجمهور في المعلومات، وقد تؤدي إلى إثارة الفزع أو الإضرار بالمصلحة العامة أو المساس بسمعة أشخاص أو مؤسسات أو تعطيل الخدمات أو زعزعة الطمأنينة العامة. ومع ذلك، فإن تجريم نشر الأخبار الكاذبة يجب أن يُفهم في إطار التوازن بين حماية المجتمع من المعلومات المضللة وحماية حرية التعبير المشروعة والنقد المسموح به.
التعريف الاصطلاحي
يُقصد بنشر الأخبار الكاذبة اصطلاحاً: إذاعة أو تداول أو نشر خبر غير صحيح أو معلومة مضللة، بطريقة من شأنها الوصول إلى الجمهور أو إلى فئة معتبرة منه، مع توافر القصد الجنائي لدى الناشر أو العلم بكذب الخبر أو عدم اكتراثه بالتحقق من صحته في الحالات التي يفرضها القانون.
ولا يتحقق المفهوم بمجرد وجود خطأ في معلومة ما، وإنما يشترط أن يكون الخبر المنشور ذا طبيعة مؤثرة أو خطرة بما يكفي لأن يثير أثراً اجتماعياً أو أمنياً أو اقتصادياً أو شخصياً، وأن يكون النشر قد تمّ بوسيلة عامة أو قابلة للانتشار العام.
الشرح القانوني للمصطلح
يقوم التجريم في جريمة نشر الأخبار الكاذبة على حماية عدة مصالح قانونية، من أبرزها الأمن العام، النظام العام، الثقة في المعلومات الرسمية أو العامة، استقرار المجتمع، وسمعة الأشخاص والجهات. لذلك لا ينظر القانون إلى مجرد الخطأ الخبري بمعزل عن نتائجه، بل يربط بين كذب الخبر وطريقة نشره ومدى قابليته لإحداث ضرر أو اضطراب.
وتختلف صياغة النصوص القانونية من دولة إلى أخرى، إلا أن الغالب أنها تشترط أن يكون الخبر المنشور كاذباً أو غير صحيح، وأن يكون النشر قد تمّ علناً أو بواسطة وسيلة من وسائل النشر، وأن يترتب على النشر احتمال وقوع ضرر أو تهديد لمصلحة محمية قانوناً.
ويشمل النشر كل فعل يجعل الخبر متاحاً لغير الشخص الناشر، سواء كان ذلك عن طريق الطباعة، أو النشر الإلكتروني، أو الإذاعة، أو التلفاز، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو الرسائل المرسلة إلى جمهور واسع، أو أي وسيلة أخرى تتيح تداول الخبر بين الناس.
كما أن المسؤولية قد تمتدّ في بعض الأنظمة القانونية إلى من ينشر الخبر مع علمه بكذبه، أو إلى من يعيد نشره بعد ظهور تكذيب رسمي أو معلومات موثوقة تفيد بعدم صحته، خاصة إذا كان إعادة النشر من شأنها توسيع دائرة الضرر أو زيادة أثر الخبر المضلل.
أركان أو عناصر المصطلح
تتكون جريمة نشر الأخبار الكاذبة بصفة عامة من الأركان والعناصر الآتية:
- الركن المادي: يتمثل في قيام الجاني بنشر خبر أو معلومة غير صحيحة، وذلك بأي وسيلة من وسائل التعبير أو النشر، سواء كانت تقليدية أو إلكترونية. ويشمل ذلك الكتابة، والصوت، والصورة، والفيديو، والنشر على المنصات الرقمية، أو إعادة الإرسال إذا كان من شأنه تحقيق الانتشار.
- ركن الكذب أو عدم الصحة: يجب أن يكون الخبر المنشور مخالفاً للواقع أو مضللاً جوهرياً. ولا يكفي أن يكون الخبر ناقصاً أو قابل التأويل إذا لم يتحقق المعنى القانوني للكذب أو التزييف المؤثر.
- ركن العلانية: يشترط عادةً أن يكون النشر موجهاً إلى الجمهور أو قابلاً للوصول إليه من قبل أكثر من شخص. فالنشر الخاص بين شخصين قد لا يدخل في نطاق الجريمة إلا إذا توافرت شروط قانونية خاصة أو ترتب عليه ضرر محدد ينص عليه القانون.
- الركن المعنوي: يتمثل في علم الجاني بكذب الخبر وقصده نشره، أو توافر القبول باحتمال كذبه في الحالات التي يكتفي فيها القانون بالتقصير الجسيم أو عدم التحقق مع وجود دلالات واضحة على عدم الصحة.
- العنصر الإخلالي أو الخطر: يشترط في كثير من التشريعات أن يكون الخبر الكاذب من شأنه الإضرار بالمصلحة العامة أو الأمن الوطني أو النظام العام أو الثقة العامة أو سمعة الأشخاص أو المؤسسات.
- علاقة السببية: يجب أن توجد صلة بين فعل النشر والنتيجة أو الخطر الذي يحميه القانون، مثل إثارة الفزع، أو تعطيل الخدمة، أو المساس بسمعة جهة معينة، أو الإخلال بالنظام العام.
مثال عملي
إذا قام شخص بنشر خبر على منصة اجتماعية مفاده أن محطة وقود أو مركزاً تجارياً شهد حريقاً كبيراً أدى إلى وقوع وفيات، مع علمه أن الخبر غير صحيح، فإن ذلك قد يشكل نشر خبر كاذب إذا ترتب على النشر إثارة فزع بين الناس، أو ازدحام حول المكان، أو تعطيل حركة المرور، أو تدخل الجهات الأمنية والخدمية دون داعٍ.
ويختلف هذا المثال عن مجرد نقل معلومة خاطئة بحسن نية، إذ أن العبرة هنا بعلم الناشر بكذب الخبر أو تهوره في نشره دون تحقق، وبالأثر الذي يمكن أن يحدثه الخبر في النظام العام أو الطمأنينة العامة.
أما إذا قام شخص آخر بإعادة نشر الخبر نفسه دون علم بكذبه، فإن مسؤوليته تتوقف على ظروف الواقعة، ومنها مدى وضوح كذب الخبر، ومدى توفر إمكانية التحقق منه، وصدور تكذيب رسمي أو معلومات موثوقة قبل إعادة النشر، ومدى خطورة إعادة التداول.
الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة
- الفرق بين نشر الأخبار الكاذبة والقذف: القذف هو إسناد واقعة محددة إلى شخص من شأنها جعله محل عقاب أو احتقار إذا كانت الواقعة غير صحيحة. أما نشر الأخبار الكاذبة فقد يكون موجهاً إلى الجمهور أو إلى جهة أو مؤسسة، ولا يشترط دائماً أن يتعلق بواقعة مسندة إلى شخص محدد، بل يكفي أن يكون الخبر الكاذب مؤثراً في النظام العام أو الأمن أو المصلحة العامة.
- الفرق بين نشر الأخبار الكاذبة والسب: السب يتمثل في التعبير المهين أو المسيء الذي لا يتضمن إسناد واقعة محددة، بينما نشر الأخبار الكاذبة يقوم على تداول خبر أو معلومة غير صحيحة، وقد يكون الخبر صيغ بأسلوب محايد ظاهرياً لكنه مضلل في مضمونه.
- الفرق بين نشر الأخبار الكاذبة والتشهير: التشهير يرتبط غالباً بالإضرار بسمعة شخص أو جهة من خلال نشر وقائع أو عبارات تمس الاعتبار، بينما نشر الأخبار الكاذبة يركز على كذب الخبر وخطورته العامة، سواء ترتب عليه مساس بسمعة شخص أم لم يترتب.
- الفرق بين نشر الأخبار الكاذبة والشائعة: الشائعة هي خبر متداول غير مؤكد قد يكون صحيحاً أو كاذباً، أما الخبر الكاذب فهو خبر ثبت عدم مطابقته للواقع أو توافرت أدلة كافية على زيفه. ولا تتحول كل شائعة إلى جريمة إلا إذا توافرت أركان التجريم، ومنها العلم بالكذب أو القصد أو الضرر المحتمل.
- الفرق بين نشر الأخبار الكاذبة والتحريض: التحريض هو دفع الغير إلى ارتكاب فعل معين أو جريمة معينة، بينما نشر الأخبار الكاذبة يتمثل في إذاعة خبر غير صحيح. ومع ذلك، قد تتداخل الجريمتان إذا استُخدم الخبر الكاذب وسيلة لحث الناس على سلوك معين أو ارتكاب فعل مخل بالنظام العام.
- الفرق بين نشر الأخبار الكاذبة والخطأ الصحفي: الخطأ الصحفي قد ينتج عن سوء فهم أو نقص في التحقق دون قصد إجرامي، بينما نشر الأخبار الكاذبة يتطلب توافر القصد أو العلم أو درجة من التهور الجنائي، إضافة إلى أن يكون الخبر ذا أثر مؤثر أو خطير.
الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، جرائم النشر، نشر أخبار كاذبة، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي
0 تعليقات