الجنون

الجنون

مقدمة

يُعد الجنون من الموانع الشخصية التي قد تحول دون قيام المسؤولية الجزائية أو تؤثر في مدى ثبوتها، وذلك لأنه يمس قدرة الإنسان على الإدراك والإرادة وقت ارتكاب الفعل. فالقانون لا يكتفي بمجرد صدور الفعل عن شخص معين، بل يشترط أن يكون هذا الشخص متمتعاً بقدر كافٍ من التمييز والإرادة حتى يمكن نسبته إليه ومؤاخذته عليه جزائياً.

وتقوم فكرة الجنون كمانع من موانع المسؤولية على أن العقاب يفترض مسؤولية أخلاقية وقانونية، وهذه المسؤولية لا تقوم إذا كان الفاعل، وقت ارتكاب الواقعة، عاجزاً عن إدراك حقيقة ما يأتيه أو عاجزاً عن توجيه إرادته نحو الامتناع عنه. ومن ثم فإن الجنون لا ينظر إليه بوصفه مجرد حالة طبية فحسب، بل بوصفه واقعة قانونية ذات أثر مباشر في المسؤولية والعقاب.

وتختلف الآثار المترتبة على الجنون بحسب درجته ووقت ظهوره، فالجنون الكامل وقت ارتكاب الفعل قد يؤدي إلى انتفاء المسؤولية الجزائية، أما الاضطراب العقلي الجزئي أو نقص الإدراك فقد يظل محل تقدير القضاء، وقد يترتب عليه تخفيف العقوبة أو اتخاذ تدابير احترازية وعلاجية، حسب النظام القانوني المطبق.

التعريف الاصطلاحي

الجنون في الاصطلاح القانوني هو اضطراب خطير في الحالة العقلية أو النفسية للشخص، من شأنه أن يعدم أو ينقص ملكة التمييز والإرادة لديه وقت ارتكاب الفعل، بحيث لا يصبح قادراً على إدراك طبيعة فعله أو خطورته أو نتائجه، أو لا يستطيع توجيه سلوكه وفقاً لما يقتضيه القانون.

ولا ينصرف الجنون في معناه القانوني إلى كل خلل نفسي عابر أو انفعال مفاجئ، وإنما يشترط فيه أن يكون مؤثراً في الإدراك أو الإرادة تأثيراً جوهرياً، وأن يكون قائماً وقت ارتكاب الفعل محل المساءلة. فالاعتبار الحاسم ليس وجود اضطراب عقلي بصفة عامة، بل أثر هذا الاضطراب على سلوك الجاني في اللحظة التي ارتكب فيها الواقعة.

الشرح القانوني للمصطلح

يصنف الجنون ضمن موانع المسؤولية لأنه يتعلق بذات الفاعل لا بالفعل ذاته. فالقانون قد يثبت وقوع الفعل المادي، ولكن المسؤولية الجزائية لا تقوم إلا إذا كان مرتكبه قادراً على فهم ما يفعل ويريد ما يأتيه. فإذا كان الفاعل مجنوناً وقت ارتكاب الفعل، فإن ركن الإدراك أو ركن الإرادة ينعدم، أو يضعف بدرجة تبرر عدم مؤاخذته أو تخفيف مؤاخذته.

ويترتب على الجنون، إذا ثبت أثره وقت ارتكاب الفعل، أن يسقط العقاب عن الشخص، لأن العقاب يفترض قدرة المتهم على التمييز بين الصواب والخطأ، وقدرة الإرادة على اختيار الامتناع عن الجريمة. ومع ذلك، فإن انتفاء العقوبة لا يعني بالضرورة ترك الشخص دون إجراء، إذ يجوز للقضاء أو السلطة المختصة اتخاذ تدابير احترازية أو علاجية، كإيداعه في مؤسسة علاجية مناسبة، متى كان ذلك ضرورياً لحماية المجتمع أو لعلاج الشخص نفسه.

ويشترط قانوناً أن يكون الجنون قائماً وقت ارتكاب الفعل، لا قبله ولا بعده. فإذا كان الشخص عاقلاً وقت ارتكاب الجريمة ثم أصابه الجنون بعدها، فإن ذلك لا يزيل مسؤوليته عن الفعل الماضي، وإنما قد يؤثر في إجراءات التحقيق أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبة. أما إذا كان الجنون متقطعاً، فإن العبرة تكون بحالته وقت ارتكاب الواقعة تحديداً.

كما أن الجنون لا يثبت بمجرد الادعاء به، بل يحتاج إلى إثبات يقوم غالباً على الخبرة الطبية الشرعية، وتقارير الأطباء المختصين، وقرائن الحالة، وملابسات الواقعة، وسلوك المتهم قبل الفعل وبعده. وتبقى للمحكمة سلطة تقديرية في تقييم هذه الأدلة وربطها بالأثر القانوني المطلوب.

أركان أو عناصر المصطلح

يتكون الجنون كمانع من موانع المسؤولية من عدة عناصر أساسية:

0 تعليقات