الغش التجاري

الغش التجاري

مقدمة

يُعد الغش التجاري من الجرائم الاقتصادية التي تمس ثقة الجمهور في الأسواق، وتؤثر في سلامة المعاملات التجارية بين البائع والمشتري، وبين المنتج والمستهلك. وتكمن خطورته في أنه لا يقتصر أثره على الضرر المالي الفردي، بل يمتد إلى الإخلال بالمنافسة المشروعة، وإضعاف الرقابة على جودة السلع والخدمات، والإضرار بالمصلحة الاقتصادية العامة.

وتختلف صور الغش التجاري باختلاف طبيعة النشاط التجاري، فقد يتصل بتدليس في وزن السلعة أو كيلها أو قياسها، أو بخلطها بمواد أخرى، أو بنسبتها إلى أصل غير صحيح، أو بإخفاء عيوبها، أو بتقديم بيانات مضللة بشأنها. ولذلك فإن مواجهته تتطلب توافراً متوازياً بين النصوص الجزائية، والرقابة الإدارية، وآليات حماية المستهلك.

التعريف الاصطلاحي

الغش التجاري هو سلوك احتيالي يصدر من تاجر أو منتج أو بائع أو مقدم خدمة بقصد خداع المتعاملين، من خلال استعمال وسائل مضللة تجعل السلعة أو الخدمة تظهر بصورة تخالف حقيقتها، سواء من حيث النوع، أو الأصل، أو الجودة، أو الكمية، أو السعر، أو طريقة الإنتاج، أو المواصفات المعلنة عنها.

وبهذا المعنى، لا يقتصر الغش التجاري على مجرد تقديم سلعة رديئة، بل يتحقق عندما تقترن المخالفة التجارية بقصد التضليل، وبوسيلة من شأنها حمل المشتري أو المستهلك أو المتعامل التجاري على قبول الصفقة بناءً على تصور غير صحيح.

الشرح القانوني للمصطلح

من الناحية القانونية، ينظر إلى الغش التجاري بوصفه فعلاً مخالفاً لمبدأ حسن النية في التعاملات التجارية، ومخالفاً لواجب الإفصاح عن الحقيقة في حدود ما يقتضيه القانون والنظام العام الاقتصادي. وهو يدخل ضمن الجرائم الاقتصادية؛ لأنه يستهدف السوق كمؤسسة اجتماعية واقتصادية، ولا يكتفي بمسؤولية مدنية بين أطراف عقد معين.

وقد تتعدد القواعد القانونية المنظمة للغش التجاري بين قواعد العقوبات العامة، وقوانين حماية المستهلك، وقوانين التجارة، وقوانين الرقابة على المنتجات، وقوانين العلامات التجارية، وقوانين مكافحة المنافسة غير المشروعة. ولا يشترط في جميع الحالات أن تقع خسارة مالية فعلية للمستهلك حتى تقوم المسؤولية الجزائية، إذ قد يكفي في بعض الأنظمة أن يكون الفعل من شأنه تضليل الجمهور أو تعريض مصالحه للخطر.

كما أن الغش التجاري قد يرتكب بوسيلة مادية، مثل تغيير مكونات المنتج أو إخفاء تاريخ انتهاء صلاحيته، أو بوسيلة معنوية، مثل نشر إعلانات تتضمن بيانات غير صحيحة، أو استخدام أسماء أو علامات تجارية توحي بأصل أو جودة غير حقيقية.

أركان أو عناصر المصطلح

يتكون الغش التجاري، من الناحية القانونية، من مجموعة عناصر أساسية، تختلف تفاصيلها بحسب التشريع المعمول به، إلا أنها غالباً ما تشمل ما يأتي:

  • الركن القانوني: ويقصد به وجود نص قانوني يجرم الفعل، سواء كان ذلك في قانون العقوبات أو في تشريعات خاصة بحماية المستهلك أو الرقابة التجارية أو سلامة المنتجات.
  • الركن المادي: ويتمثل في السلوك الخارجي الذي يحقق الغش، مثل بيع سلعة مغشوشة، أو تغيير علامتها، أو التلاعب في وزنها، أو تقديم خدمة بمواصفات مخالفة لما تم الاتفاق عليه أو الإعلان عنه.
  • الركن المعنوي: ويتمثل في القصد الجنائي، أي علم الجاني بحقيقة المخالفة وإرادته في إخفائها أو استعمالها للتدليس على المشتري أو المستهلك أو جهة الرقابة.
  • عنصر التضليل: وهو أن تكون الوسيلة المستخدمة من شأنها أن تحدث وهماً لدى المتعامل، كأن يعتقد أن السلعة أصلية أو ذات جودة معينة أو ذات منشأ محدد، بينما الواقع خلاف ذلك.
  • عنصر الصفة التجارية أو المهنية: غالباً ما يرتبط الغش التجاري بممارسة نشاط تجاري أو مهني أو إنتاجي، سواء كان الجاني تاجراً، أو منتجاً، أو موزعاً، أو مقدم خدمة.
  • الضرر أو الخطر على المصلحة المحمية: وقد يكون الضرر واقعاً فعلاً، كما في خسارة مالية أو ضرر صحي، أو محتملاً، كما في تعريض المستهلك لخطر نتيجة تقديم بيانات غير صحيحة عن سلعة أو خدمة.

مثال عملي

إذا قام تاجر باستيراد كمية من القهوة، ثم خلطها بمواد أخرى أقل قيمة، ووضعها في عبوات تحمل بيانات تفيد بأنها قهوة نقية من نوع معين، مع إخفاء حقيقة الخلط عن المستهلكين، فإن ذلك يعد صورة واضحة من صور الغش التجاري.

ففي هذا المثال يتوافر الركن المادي المتمثل في الخلط والتعبئة المضللة، ويتوافر الركن المعنوي لأن التاجر يعلم أن السلعة لا تطابق البيانات المدونة عليها، كما يتوافر عنصر التضليل لأن المستهلك يشتري السلعة معتقداً أنها ذات جودة وأصل ومكونات تختلف عن حقيقتها.

وقد تترتب على ذلك مسؤولية جزائية بحسب التشريع المطبق، إضافة إلى مسؤولية مدنية تجاه المستهلك المتضرر، ومسؤولية إدارية قد تشمل ضبط السلع، أو إتلافها، أو إغلاق المنشأة مؤقتاً، أو فرض الجزاءات المقررة قانوناً.

الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة

يمتز الغش التجاري عن عدد من المصطلحات القانونية القريبة، رغم وجود قدر من التداخل العملي بينها:

  • الفرق بين الغش التجاري والاحتيال: الاحتيال أوسع من الغش التجاري، فقد يقع في المعاملات المدنية أو المالية أو الإلكترونية أو العقارية. أما الغش التجاري فيرتبط غالباً بنشاط البيع أو الإنتاج أو تقديم الخدمات في السوق، وبخاصة ما يتعلق بالسلع والخدمات المعروضة على المستهلكين أو المتعاملين التجاريين.
  • الفرق بين الغش التجاري والتزوير: التزوير يتعلق بتغيير الحقيقة في محرر أو علامة أو مستند أو وسيلة إثبات، أما الغش التجاري فقد يستخدم التزوير وسيلة من وسائله، مثل تزوير تاريخ الصلاحية أو العلامة التجارية، لكنه لا ينحصر فيها.
  • الفرق بين الغش التجاري والإعلان المضلل: الإعلان المضلل هو وسيلة من وسائل الغش التجاري، إذ يتم من خلال بيانات أو صور أو وعود غير صحيحة عن السلعة أو الخدمة. غير أن الغش التجاري قد يقع دون إعلان، كما في بيع سلعة مغشوشة مباشرة للمستهلك.
  • الفرق بين الغش التجاري والغبن: الغبن يعني تفاوتاً كبيراً بين قيمة ما أخذ وما أعطى في العقد، وقد يكون سبباً للفسخ أو تخفيض الثمن في بعض الأحوال. أما الغش التجاري فيتطلب سلوكاً مخادعاً أو تدليساً يجعل المتعامل يوافق على الصفقة بناءً على تصور غير صحيح.
  • الفرق بين الغش التجاري وإخفاء عيوب السلعة: إخفاء العيوب قد يكون مدخلاً إلى الغش التجاري إذا اقترن بقصد التضليل، أما إذا كان مجرد تقصير أو خطأ غير مقصود فقد تنصرف المسألة إلى المسؤولية العقدية أو المسؤولية عن العيوب الخ

    الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، جرائم اقتصادية، الغش التجاري، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي

0 تعليقات