العلم بعدم المشروعية

العلم بعدم المشروعية

مقدمة

يُعدّ العلم بعدم المشروعية من المسائل الأساسية في النظرية العامة للجريمة، لأنه يرتبط بالجانب المعنوي أو النفسي للركن المعنوي. فالجريمة لا تقوم، في كثير من صورها، بمجرد صدور السلوك المادي المخالف للنص الجنائي، بل يتطلب الأمر توافر قصد أو علم لدى الجاني يربط بين إدراكه للواقع وإدراكه لمخالفة هذا الواقع للنظام القانوني.

ويتمثل هذا المصطلح في إدراك الشخص أن ما يقوم به من فعل أو امتناع لا يستند إلى سند قانوني، أو أنه مخالف لحظر قانوني، أو أنه يتعارض مع حق ثابت لغيره. ومن ثم فإن السؤال الجوهري لا ينصرف إلى مجرد معرفة الجاني بما يفعله مادياً، بل إلى مدى علمه بأن ما يفعله غير مشروع قانوناً.

التعريف الاصطلاحي

العلم بعدم المشروعية هو إدراك الجاني وقت ارتكاب السلوك الإجرامي أن هذا السلوك غير مباح قانوناً، أو أنه مخالف للقانون، أو أنه يقع بغير سند أو إذن مشروع.

ولا يشترط أن يكون الجاني عالماً بالنص القانوني بصيغته الفنية، أو مدركاً للعقوبة المقررة، أو قادراً على توصيف الفعل قانونياً. بل يكفي أن يكون مدركاً للمعنى الاجتماعي والقانوني العام لفعله، أي أن يعلم أن سلوكه غير مشروع أو غير مأذون به.

الشرح القانوني للمصطلح

يتصل العلم بعدم المشروعية بالركن المعنوي للجريمة، إذ يقوم هذا الركن على الإرادة والاختيار المقترنين بإدراك الجاني لطبيعة الفعل ونتيجته. فإذا كان الجاني يعلم أن فعله ممنوع أو غير مشروع، فإن ذلك يقوي انتساب القصد الجنائي إليه، ويجعل دفاعه بالجهل أو الغلط محل تمحيص دقيق.

غير أن العلم بعدم المشروعية لا يعني بالضرورة معرفة تفصيلية بالقواعد القانونية. فالقانون لا يطلب من كل شخص أن يكون فقيهاً أو محامياً لكي يتحمل المسؤولية الجنائية. وإنما ينظر إلى ما إذا كان الشخص، بحسبه العادي وظروفه الخاصة، يستطيع أن يدرك أن سلوكه مخالف للقانون أو متجاوز للحدود المباحة.

ويظهر أثر هذا المصطلح بوضوح في الجرائم التي يتطلب القانون فيها قصداً خاصاً أو علماً خاصاً، مثل جرائم التزوير، والغش، والتدليس، وإخفاء الأشياء المتحصلة من جريمة، وممارسة نشاط محظور بغير ترخيص. ففي هذه الجرائم لا يكفي وقوع الفعل، بل يجب أن يثبت أن الجاني كان عالماً بعدم مشروعية ما يقوم به.

كما أن للعلم بعدم المشروعية أثراً في تمييز الجريمة العمدية عن الجريمة غير العمدية. فالشخص الذي يرتكب فعلاً وهو يجهل ظروفه وحقيقته قد ينتفي عنه القصد الجنائي، أما الشخص الذي يدرك الحقيقة ويعلم أن تصرفه غير مشروع، فإن الركن المعنوي يكون أقرب إلى التحقق.

أركان أو عناصر المصطلح

  1. وجود سلوك مادي:

    يجب أن يكون هناك فعل أو امتناع قابل لأن يوصف قانوناً بأنه غير مشروع، كاستعمال ورقة مزورة، أو التصرف في مال مملوك للغير، أو مزاولة نشاط يحتاج إلى ترخيص دون الحصول عليه.

  2. إدراك الجاني لطبيعة الفعل:

    يجب أن يكون الجاني مدركاً للواقعة المادية التي يقوم بها. فإذا باع شخص شيئاً وهو لا يعلم أنه مسروق أو مزور، فلا يتوافر لديه العلم الكامل بخصوص عدم مشروعية التصرف.

  3. إدراك عدم السند القانوني:

    لا يكفي أن يعلم الجاني بما يفعله، بل يجب أن يدرك أن فعله لا يستند إلى حق أو إذن أو عذر قانوني. وهذا هو جوهر العلم بعدم المشروعية.

  4. تزامن العلم مع ارتكاب الفعل:

    يجب أن يتوافر العلم بعدم المشروعية وقت ارتكاب السلوك. فإذا نشأ العلم بعد وقوع الفعل، فقد يؤثر ذلك في مسائل أخرى، مثل الاستمرار في الجريمة أو الإخفاء أو التصرف اللاحق، لكنه لا يثبت بالضرورة توافر القصد وقت ارتكاب الفعل الأصلي.

  5. انتفاء الغلط المعفي من المسؤولية أو المؤثر في القصد:

    إذا وقع الجاني في غلط جوهري جعله يظن بحسن نية أن فعله مشروع، فقد يؤثر ذلك في انتفاء العلم بعدم المشروعية، وبالتالي في انتفاء القصد الجنائي أو في تخفيف صورته، بحسب طبيعة الغلط ونوع الجريمة.

مثال عملي

إذا قام شخص باستعمال شهادة جامعية مزورة للتقدم إلى وظيفة عامة، وهو يعلم أن الشهادة غير صادرة من الجهة المختصة، فإن العلم بعدم المشروعية يتوافر لديه. فهو لا يجهل طبيعة الفعل، ولا يجهل أن استعمال وثيقة مزورة للحصول على حق أو مركز غير مباح قانوناً.

أما إذا تسلم هذا الشخص الشهادة من جهة رسمية ظاهرها صحيح، وأثبت أنه كان يجهل تزويرها ولم تكن لديه أسباب معقولة تدفعه إلى الشك في صحتها، فإن انتفاء العلم بعدم المشروعية قد يكون محل اعتبار، لأن القصد الجنائي في جريمة استعمال المحرر المزور يتطلب علماً بتزوير المحرر أو بعدم مشروعية استعماله.

الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة

المصطلح وجه الفرق
العلم بعدم المشروعية ينصرف إلى إدراك الجاني أن الفعل غير مباح قانوناً أو لا يستند إلى سند مشروع.
القصد الجنائي أوسع من العلم بعدم المشروعية، لأنه يشمل إرادة ارتكاب الفعل مع العلم بعناصره ونتيجته. وقد يتوافر القصد أحياناً دون علم تفصيلي بالنص الجنائي.
العلم بالواقعة يقصد به إدراك الجاني للحقائق المادية، مثل علمه بأن المال مسروق أو أن الورقة مزورة. أما العلم بعدم المشروعية فيتعلق بإدراك مخالفة التصرف للقانون.
الجهل بالقانون هو عدم معرفة الشخص بحكم قانوني معين. ولا يزيل المسؤولية في الغالب إذا كان الجهل غير معذور، لكنه قد يثار عند البحث في مدى توافر القصد أو الغلط المعفي.
الخطأ في القانون ينشأ عندما يفهم الشخص الحكم القانوني فهماً خاطئاً. ويختلف عن العلم بعدم المشروعية لأن الأخير يفترض إدراكاً إيجابياً بأن الفعل غير مشروع.
سوء النية مصطلح أوسع قد يستخدم في المجال المدني والجنائي، ويدل على القصد المذموم أو

الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، النظرية العامة للجريمة، العلم بعدم المشروعية، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي