جريمة خطف الأطفال

تعليق علي الجريمة
عدلت نصوص الخطف تعديلاً أساسياً دعا إليه - على حد تعبير المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 214 الصادر في 27 أكتوبر سنة 1980 - ما كشف عنه التطبيق العلمي للمواد 288 إلى 290 قبل تعديلها من عدم التناسب بين الجرائم والعقوبات الواردة بها ومن عدم كفاية هذه العقوبات لتحقيق الردع كهدف تتوخاه السياسة العقابية سيما في حالة اقتران جريمة خطف الأنثى بجناية مواقعتها بغير رضائها . ومن ثم رؤى تعديل تلك النصوص لتشديد العقوبة فيها. ولذات الأسباب ولاتساع نطاق ظاهر الخطف بعد ثورة 25 يناير سنة 2011 تدخل المشرع بتشديد أكثر للعقوبة وذلك بالمرسوم بقانون رقم 11 لسنة 2011 الصادر من المجلس الأعلى للقوات المسلحة ، الصادر في 22 مارس سنة 2011.
معني التحيل :
يقصد بالتحيل الغش والخداع، ويبدو من إستقراء أحكام القضاء أن التحيل يعنى إستعمال الطرق الإحتيالية على النحو الذي تتحقق به جريمة النصب، فلا يكفى لتوافره الكذب المجرد.
معني الإكراه :
يقصد بالإكراه كل وسيلة من شأنها سلب إرادة المجنى عليه، ويستوى في ذلك الوسائل المادية كحمل الغير ونقله بالقوة، أو تخديره ونقله، والوسائل المعنوية كالتهديد، كما يدخل في نطاق الإكراه إستغلال الجانى فرصة إنعدام إرادة الصغير

- أركان جريمة خطف الأحداث بالتحيل أو الإكراه -

الركن الأول- الفعل المادي
أول ركن من أركان هذه الجريمة هو فعل الخطف . وهو يتكون من عنصرين: الأول: إنتزاع الصغير من بيئته. والثانى: نقله إلى محل آخر واحتجازه فيه لإخفائه عمن لهم الحق في المحافظة على شخصه.
والخطف يتحقق بنقل الطفل من المحل الذي وضع فيه إلى محل آخر بقصد إخفائه عن بيته. فهذا الفعل يتركب إذن من عنصرين أساسيين: الأول انتزاع الطفل المخطوف من البقعة التي جعلها مراداً له من هو تحت رعايتهم ، والثاني نقله إلى محل آخر واحتجازه فيه بقصد إخفائه عن ذويه الذين لهم حق ضمه ورعايته.
- فلا يتحقق الخطف إذا كان الطفل قد خرج بإرادته من منزل والديه قبل أن يعرف المتهم ، إذ لا يمكن القول في هذه الحالة بأنه انتزع من المحل الذي وضعه فيه من هو تحت رعايتهم . فلا يعد خاطفاً من يحضر فتاة إلى منزله أو يسكنها في حجرة أو شقة أو يأخذها معه في رحلة ولو حصل ذلك باستعمال الحيلة إذا كانت الفتاة قد هربت قبل ذلك من منزل والديها.
- ولا يتحقق الخطف إذا كان الطفل قد أبعد عن منزل أهله فترة قصيرة ولو بطريق التحايل أو الإكراه ثم أعيد إليه بعد ذلك . فلا يعد خاطفاً من يستدرج طفلاً إلى منزله بطريق التحايل إذا كان هذا الطفل قد عاد إلى منزل أهله بعد غيابه عنه فترة قصيرة إذ أن الطفل لم ينقطع في هذه الحالة عن الإقامة في منزل أهله ولم ينتزع من تحت سلطتهم .
- والمحاكم هي التي تفصل موضوعياً فيما إذا كان الطفل قد أخذ من المحل الذي جعله مراداً له من هو تحت رعايتهم ووضع في محل آخر بقصد انتزاعه من أيديهم وإخراجه من سلطتهم أو أنه احتفظ بمحله رغم غيابه عنه بصفة مؤقتة. ولا شك في وجود الجريمة إذا كان الطفل لم يعد إلى منزله في الليل . على أنه في بعض الأحيان قد لا يكفي غياب بضع ساعات لتحقيق الركن المادي للجريمة. فلا يعد خطفاً معاقباً عليه فعل الشاب الذي يعطي موعداً لفتاة قاصر ويمقضي معها بعد الظهر في الخلاء إذا كانت قد عادت في المساء إلى منزل أهلها ، فإن هذا يعتبر مجرد غياب وقتي ليس من شأنه انتزاعها من سلطة أهلها ولا يمنع من اعتبار أنها لا تزال مقيمة في منزلهم.
ومحكمة النقض والإبرام المصرية قررت أن القانون يقتضي أن يكون الطفل قد اختطف من البقعة التي جعلها مراداً له من هو تحت رعايتهم ( نقض 6 يونية سنة 1929 مج 30 عدد 138) . ذلك بأن الشارع في المادة 288ع لم يقصد فقط حماية حرية الطفل الذي لم يبلغ سنه ثمانى عشرة سنة كاملة بل قصد على الأخص تأييد سلطة العائلة.
- وتنطبق المادة 288 ع ولو كان الطفل عند خطفه غائباً بصفة مؤقتة عن محل إقامته كما إذا كان قد اختطف من الطريق العام . فإن القانون أراد حماية الطفل وتأييد سلطة العائلة حتى ولو كان الطفل خارج منزل أهله لمدة يسيرة ، إذ الخطف يتحقق بمنع الطفل من دخول منزله كما يتحقق بإخراجه منه . فلا يشك أحد في تكوين جريمة الخطف في حالة ما إذا تربص عدة أشخاص لفتاة في الشارع وأخذوها في عربة أو سيارة واقتادوها إلى مكان جعلوها فيه بمعزل عمن لهم الحق في ضمها ورعايتها.
- ولكن يشترط لتكوين الجريمة أن يكون الطفل المخطوف قد نقل إلى محل آخر نقلاً من شأنه إبعاده عن مركزه والتفريق بينه وبين أهله وقد رفضت المحاكم الفرنسية تطبيق مادة الخطف على شخص قابل فتاة عمرها أربع عشرة سنة في ميدان عمومي وأخذها بطريق التحايل إلى منزل معد للفجور بقصد ارتكاب الفاحشة معها ولكنها لما تمنعت تركها حرة في الخروج . وعلى شخص قابل فتاة في طريق النزهة وتمكن بطريق الوعد من أخذها إلى منزله وارتكاب الفاحشة معها ولكنه تركها تذهب بعد نصف ساعة.
وحكمت محكمة النقض والإبرام المصرية بعدم تطبيق المادة 250 ع قديم (288 ع حالي) في قضية تتلخص واقعتها في أن المتهم قابل غلاماً في الشارع وأخذه بقصد إدخاله التياترو والمراجيح ولكنه أدخله في أودة بجوار المراجيح ومزق لباسه من الخلف بعد أن طلب منه مواقعته ، ولما لم يقبل تركه وأخذه فأدخله في التياترو حيث عثر عليه . وبنت المحكمة حكمها على ما تبين من أن المتهم لم يبعد بالمجني عليه عن الدائرة التي بها منزل والديه وأنه كان يسير به جهراً في الشوارع القريبة منه وأنه دخل ملعباً في نفس الدائرة كان من المحتمل أن يوجد بين المترددين عليه من تكون له معرفة بالطفل أو بذويه كما حصل فعلاً ، وليس ذلك كله شأن من يريد أن يفرق بين المجني عليه وبين أهله ويقطع صلته بهم تفريقاً وقطعاً جديين ( نقض 16 نوفمبر سنة 1931 قضية رقم 6 سنة 2 قضائية ).
- والقانون لا يقتضي أن يكون الطفل قد خطف من مكان وضعه فيه من له الولاية الشرعية عليه ، بل كل الذي يقتضيه أن يكون الطفل قد اختطف من البقعة التي جعلها مراداً له من هو تحت رعايتهم من ولي أو وصي أو حاضنة أو مرب أو غيرهم ممن يكفلونه . فإذا فرض أن والد الطفل معتوه وأن ولايته ساقطة وكان الثابت أن الطفل لم يتجاوز سنه سن الحضانة وأن له أما هي حاضنته المكلفة شرعاً بالقيام عليه وحفظه وإبعاده عمداً عن البقعة التي جعلتها مراداً له يتحقق به معنى الخطف تمام التحقيق ( نقض 6 يونية سنة 1929 مج 30 عدد 138) .


الركن الثاني : التحايل أو الإكراه
يشترط لتطبيق المادة 288ع حصول الخطف بالتحيل أو الإكراه.
- فالإكراه هو كل ما من شأنه سلب إرادة المجني عليه وهو إما مادي أو أدبي فالإكراه المادي يشمل كافة الوسائل المادية التي تستخدم في نقل الصغير رغم مقاومته كأخذه بالقوة ، وكذا الوسائل التي تحرمه من كل مقاومة كإعطائه مادة مخدرة أو تنويمه تنويماً مغناطيسياً . والإكراه الأدبي يتكون من التهديد . وهو يأخذ حكم الإكراه المادي إذا كان من شأنه التأثير على إرادة المجني عليه بقوة لم يكن في قدرته مقاومتها . ويجب أن يراعي في تقدير ذلك سن المجني عليه ونوعه.
- التحيل هو الغش والخداع . ويمكن وقوع التحيل بواسطة استعمال وعود كاذبة أو تحرير كتب مزورة أو الاستعانة في نقل المجني عليه باسم أهله وبما لهم عليه من سلطان .
وقد حكم في مصر أنه يكفي لوجود التحيل المشترط في جريمة الخطف أن يوهم الجاني المجني عليه أنه سيخدمه بماهية قدرها جنيهان (جنايات مصر 8 يونية سنة 1905 استقلال 4 ص443).
- ولا شك في أن المادة 288 تنطبق إذا كان التحيل لم يقتصر أثره على غش المجني عليه بل تناول غش أهله أيضاً . ولا يصح الاعتراض على ذلك بأن أهل المجني عليه قد قبلوا نقله ، لأن قبولهم مشوب بالغش والخداع وقد حكمت المحاكم الفرنسية بمعنى ذلك في قضية حصل فيها المتهم على إذن من والدى المجني عليها بأخذها معه بعد أن أعطاها تأكيدات كاذبة عن مصير ابنتهما .
- وتنطبق الماة 288 على الرأي الراجح حتى ولو كان التحيل أو الإكراه لم يقع على الطفل نفسه بل وقع على من كانوا متكفلين به فقط.


الركن الثالث : صغر المجني عليه
يشترط أن يكون المجني عليه طفلاً ذكراً لم يبلغ ثمانى عشرة سنة كاملة. ويعاقب على خطفه سواء أكان ذكراً أو أنثى مع تشديد العقاب إذا كان المخطوف أنثى .
فإذا بلغ سن المجني عليه ثمانى عشرة سنة كاملة وكان ذكراً فلا يعاقب على خطفه ولو حصل بالتحيل أو الإكراه . ويجب حينئذ البحث في تطبيق النصوص الخاصة بالقبض على الناس وحبسهم أو حجزهم بدون وجه حق .
وأما إذا كان المخطوف أنثى فيعاقب على خطفها بالتحيل أو الإكراه بمقتضى المادة 290 ع .
وقد كان السن الذي لا يعتد فيه برضاء المجني عليه في جريمة الخطف محدداً في قانون سنة 1883 وفي قانون سنة 1904 بخمس عشرة سنة فرفعه القانون رقم 39 لسنة 1933 إلى ست عشرة سنة. ثم رفعه المرسوم بقانون 11 لسنة 2011 الى ثمانى عشرة سنة .
أما القانون الفرنسي فيعاقب على الخطف بالتحيل أو الإكراه مادام المجني عليه قاصر أي لم يبلغ سنه 21 سنة.


الركن الرابع : القصد الجنائي
تقتضي جريمة الخطف وجود قصد جنائي . ويرى الشراح عموماً أن هذا القصد يتوفر متى تعمد الجاني انتزاع الطفل من أيدي من لهم حق المحافظة عليه.
وقد أخذت محكمة النقض والإبرام المصرية بهذا الرأي إذ قررت في حكم لها أنه يجب لتوفر القصد الجنائي في جريمة الخطف أن يكون الجاني قد تعمد قطع صلة المجني عليه بأهله ( نقض 16 نوفمبر سنة 1931 رقم 6 سنة 2 قضائية) .
وقررت في حكم آخر أن جريمة الخطف لا تستدعي قصداً جنائياً خاصاً غير تعمد ستر المخطوف عن ذويه الذين لهم حق ضمه ورعايته ( نقض 6 نوفمبر سنة 1930 محاماة 11 عدد 250).
- ولا يجوز الخلط بين القصد الجنائي والباعث على ارتكاب الجريمة . فمتى تبين أن قصد الجاني هو ستر المجني عليه عن ذويه وقطع صلته بهم ، فلا فائدة من البحث في الباعث ولا اعتداد به في الحكم على الجريمة من حيث الوجود والعدم . وفي غالب الأحيان يكون غرض الجاني غير مشروع كالاعتداء على عرض الطفل المخطوف ( نقض 16 نوفمبر سنة 1931 قضية رقم 6 سنة 2 قضائية). أو أخذ جعل من أهله (نقض 19 يونية سنة 1930 قضية رقم 1512 سنة 47 قضائية) ، أو إرساله للشحاذة ، أو استغلال عمله ؛ وقد يجوز أن يكون الغرض من الخطف هو انتشال الطفل من الفساد أو تخليصه من معاملة سيئة أو تربيته على دين غير دين أهله . ولكن غرض الجاني مهما كان شريفاً لا يمكن أن ينفي الجريمة وإن كان من العدل مراعاة هذه البواعث في تقدير العقوبة .


ملاحظــــات عامــــة
• يجب لتوافر القصد الجنائى فى جريمة المادة 288 ان يكون الجانى تعمد قطع صلة المجنى عليه بأهله قطعاً جدياً ولا عبرة للباعث يستوى ان يكون يقصد الكيد لهم او هتك عرضه او نسبته اليه ( التبنى ) .
• فى جريمة خطف الطفل المؤثمة بالمادة 288 يسوى القانون بين الفاعل والشريك فيعتبر فاعل من ارتكبها بنفسه او بواسطة غيره فمن حرض اخر على الخطف او اتفق معه او ساعده يعتبر فاعل فى هذه الجريمة وليس شريك.
• الخطف يكون متقق فيه عنصر الاكراه او التحايل متى كان المخطوف لم يبلغ درجة التمييز بسبب حداثة سنه.
• يكفى لقيام ركن التحايل ان يكون وقع على من يكون الطفل فى كفالته فلا يشترط ان يقع على ذات الطفل .

• القانون لا يعاقب على الخطف الذى لا تحيل فيه ولا اكراه اذ كان سن المجنى عليها لم تبلغ ستة عشرة سنة والعبرة فى تقدير السن فى هذا الخصوص بالتقويم الهجرى لكونه اصلح للمتهم (( مادة 289 )) .
• تتحقق جريمة خطف الانثى التى تبلغ سنها اكثر من ست عشرة سنة كاملة بالتحيل اوالاكراه المنصوص عليها فى المادة 290 عقوبات بإبعاد هذه الأنثى عن المكان الذى خطفت منه ايا كان هذا المكان بقصد العبث بها وان القصد هنا حماية الانثى نفسها من عبث الخاطف بها وليس الغرض حماية سلطة العائلة العائلة كما هو الشأن فى جرائم خطف الاطفال الذين لم يبلغ سنهم ست عشرة سنة كاملة.
• كل من قارف الفعل المادى بنفسه او بواسطة غيره او اسهم فى ذلك بقصد مواقعة الانثى بغير رضاها يعد فاعلاً اصلياً فى الجريمة فالقانون ساوى بين الفاعل والشريك فى جريمة الخطف تلك سواء ارتكبها بنفسه او بواسطة غيره.
• ظرف الاقتران الذى نصت عليه المادة 290 عقوبات يكفى لتحققه قيام المصاحبة الزمنية بين جريمتي الخطف والمواقعة بأن تكونا قد ارتكبتا فى وقت واحد او فى فترة قصيرة من الزمن ولا يشترط وقوعها فى مكان واحد.
• ركن القوة يتحقق كلما كان الفعل المكون لها قد وقع بغير رضاء المجني عليه.