جريمة القتل عن طريق السم

نبذة تاريخية :
حدث فى أواخر عهد الملكية القديمة فى فرنسا أن كثرت حوادث التسميم الجنائى ، وأدى ذلك إلى إنشاء هيئة خاصة فى عهد لويس الرابع عشر تتولى التحقيق والمحاكمة فى هذه الحوادث التى روعت الناس . لذلك جعل الشارع الفرنسى فى سنة 1810 لهذه الجناية نصاً خاصاً ، فى المادة 301 ع ف ، وربط لها عقوبة الاعدام ( م302 ع ف ) وقد اقتبس واضعو القانون المصرى سنة 1883 أحكام هاتين المادتين ونقلوها فى المادة 211 من قانون العقوبات الأول (1883) .
ويلاحظ أن جريمة التسميم فى القانون الفرنسى جريمة شكلية تتم بمجرد استعمال المواد السامة ولو لم يعقب استعمالها حدوث الموت ، لأن العبارة التى اختارها الشارع الفرنسى هى الاعتداء على الحياة وجاء فى نهاية المادة 301 ع فرنسى ( مهما كانت النتائج ) ولذلك جرى القضاء الفرنسى زمنا طويلا على اعتبار تقديم المواد السامة جناية ، حصل الموت نتيجة لذلك أو لم يحصل وكذلك وضع السم فى متناول المجنى عليه بقصد قتله ولو لم يتناوله ، كل ذلك اعتبره القضاء الفرنسى جريمة تامة يعاقب عليها بمقتضى المادة 302 ع ف .
غير أن إطلاق حكم التسميم التام فى هذا النطاق المتسع ، فيه افتيات على نظرية الشروع والبدء فى تنفيذ الجرائم ، فمن الإسراف جعل تناول السم وعدم تناوله فى درجة واحدة ، كلاهما جريمة تامة ، لذلك عدلت المحاكم الفرنسية عن اعتبار وضع السم فى متناول المجنى عليه دون أن يتعاطاه جريمة تامة ، وحكمت باعتباره شروعا فى تسميم يعاقب عليه بمقتضى قواعدالشروع ، وقصرت تمام الجريمة على حالتى تناول السم وانتهاء ذلك بالموت ، أو تناوله دون أن يؤدى ذلك إلى الوفاة .
ولما صدر قانون العقوبات المصرى سنة 1904 ، عدل نص المادة 197ع وأخذ فى هذا التعديل بحكم المادة 397 من القانون البلجيكى فأصبحت جناية القتل بالتسميم بمقتضى هذا التعديل صورة من صور القتل العمد ، والشروع فيها يعاقب عليه بعقوبة مخففة طبقاً للمادة 46 ع ، فاذا تناول المجنى عليه السم ومات نتيجة لذلك كانت الجريمة تامة ، وإذا نجا وقفت مسئولية الجانى عند الشروع . غير أن المشرع رأى أن يشدد العقوبة فى هذا النص باعتبار أن استعمال الجواهر السامة فى القتل يكوّن الظرف المشدد للعقوبة .
ولم يغير قانون سنة 1937 شيئاً من نص المادة 197ع القديمة ، بل نقله فى المادة 233 ع من قانون العقوبات الحالى .

علة اعتبار التسميم ظرفاً مشدداً:
نظر الشارع إلى جريمة التسميم نظرة خاصة ، فالتسميم فضلاً عن خطورته ، وما فيه من معنى الخيانة والغدر، فان المجنى عليه يباغت به ولا يستطيع تفادى خطره فى أغلب الأحوال ، إذ يؤتى به على أيدى أقرب الناس إلى المجنى عليه من ذوى قرباه أو قرابته أو من خدمه أو أصدقائه ، يضاف إلى ذلك أن التسميم من الجرائم التى لا تقتضى من الجانى مشقة فى سبيل ارتكابها وتتم فى كتمان ، فهى ليست كغيرها من الجرائم التى تقع على أعين الناس ، ولذلك كانت وسائل إثباتها متعذرة صعبة ، وفضلاً عن ذلك ففى أغلب صور التسميم يكون الجانى مصراً من قبل على فعلته ، ومن أجل ذلك كله نص الشارع على جناية القتل بالسم نصاً خاصاً ، وفرض لها عقوبة مغلظة حتى ولو ارتكبت بغير إصرار .
وقد حكمت محكمة النقض والإبرام أنه لا يشترط لجناية التسميم أن يوجد سبق الإصرار لأنها تتم عن خيانة لا مثيل لها ( نقض 5/6/1930 فى القضية 779 سنة 47 ق ) .


أركان جريمة التسميم :
ولا تختلف جريمة التسميم عن جريمة القتل العمد فى أركانها الخاصة سوى فى الركن المادى فقد قصره الشارع فى المادة 233 على استعمال جواهر من شأنها إحداث الموت ، وذلك من طريق تخصيص الفعل الذى من شأنه إزالة الحياة ، وفيما عدا هذا الركن المادى ، يجب أن يتوافر الركنان الثانى والثالث لجناية القتل العمد ، بأن تقع الجريمة على إنسان حى وبقصد جنائى .
الركن المادى لجريمة التسميم - استعمال جواهر سامة :
اقتصر النص على ذكر عبارة "جواهر يتسبب عنها الموت " فلم يصف النص هذه الجواهر بوصف السامة ، إلا أن ذلك ظاهر من سياقه ومن عبارته الفرنسية والمتفق عليه أن يدخل تحت حكم النص ومدلوله كافة أنواع السموم إذا استخدمت للقتل ، كالسموم الحيوانية أو النباتية أو المعدنية ، والقانون لا يشترط إلا أن تكون المادة سامة . ولا يهم أن يكون الجوهر السام قد أخذ عن طريق الفم بابتلاع السم أو امتصاصه ، أو باستعماله عن طريق الحقن مثلاً ، أو بأية طريقة أخرى ، فقصد الجانى فى كل هذه الصور هو القضاء على المجنى عليه .
وينبنى على ما سبق أن استعمال مادة غير سامة أحدثت الموت لا يعتبر تسميما منطبقاً على المادة 233 ع ، وقد يعتبر قتلاً عمداً منطبقاً على المادة 230 إذا توافر سبق الاصرار . فقد اعتبر القضاء الفرنسى واقعة خلط الخبز بمادة الزجاج المسحوق بقصد قتل بعض أفراد إحدى الأسر ، شروعاً فى قتل عمداً لا شروعاً فى تسميم ، لاشتراط القانون أن تكون المادة المستعملة سماً .
وفى قضية أخرى عرضت على المحاكم الفرنسية ، عمدت امرأة إلى تقديم كمية كبيرة من المياة المعدنية أعدتها لزوجها المخمور ، ومن شأن ذلك أن يقضى عليه فتناولها ومات قضت محكمة بواتييه الفرنسية أن هذا الفعل ينطبق عليه وصف القتل العمد مع سبق الإصرار ، وأن خصوص عبارة المادة 301 لا يقصد به استعمال أية مادة ، بل إن التعبير بكلمة التسميم فى المادة يشير إلى استعمال مادة من خصائصها ومميزاتها أن تكون سامة ( محكمة بواتيية فى 14/ 1/ 1850 دالوز الدورى 3 ـ 2ـ 192).
فاذا لم تكن المادة سامة بطبيعتها ولا خطر منها ، كانت النتيجة مستحيلة مطلقاً، ولا جريمة ولا عقاب ، حتى ولو قام الدليل على قصد القتل ، كاستعمال مادة السكر أو الملح أو الدقيق على ظن أنها مادة الاستركنين السامة مثلاً ، والسبب فى ذلك أن الجوهر الذى استخدم هو جوهر غير سام ، فالركن المادى لجريمة التسميم غير قائم ، كما لا يعتبر شروعا لأن المجنى عليه لم يتناول غير مادة لا ضرر فيها ولا خطر منها . وبديهى أن ذلك لا يعتبر استعمالا لمواد ضارة مما نصت عليه المادة 265 ع ، فجريمة التسميم مستحيلة فى هذه الصور لعدم إمكان تحقق الجريمة مطلقاً لانعدام الغاية التى ارتكبت من أجلها الجريمة أو لانعدام صلاحية الوسيلة التى استخدمت لارتكابها كما تقول محكمة النقض . ( نقض 23/ 5/ 1932 المجموعة الرسمية س 33 رقم 204 ) .
إولكن ما الحكم إذا مزج الجانى المادة السامة بمادة أخرى بحيث جعلت السم غير محدث أثره الذى يحدثه وحده ؟ قضت محكمة النقض الفرنسية بأن ذلك لا يعتبر شروعاً ولكن هذا الرأى ينطوى على كثير من التسامح ، لأن المتهم بوضعه السم وبمزحه إياه مع مادة أخرى قد قصد القتل ، وما خاب أثر الجريمة إلا لسبب يجهله ، ففعل الجانى فى هذه الصورة تقوم به جريمة الشروع المعاقب عليه ، وهذا التفسير هو الذى يتفق مع قواعد الشروع .
وعدم كفاية مقدار السم لاحداث الموت تجعل من فعل التسميم شروعاً، ويعاقب الجانى طبقاً للمواد 45، 46 ، 233 عقوبات ، لأن جهل الفاعل بالمقدار الكافى من السم لاحداث النتيجة التى قصد إليها ، أو بعبارة أخرى خطؤه فى تقدير ما يكفى من كمية السم للقتل ، ذلك أمر لا إرادة له فيه وخارج عن نيته ، وعلى هذا جرت أحكام القضاء الفرنسى والمصرى .
وإذا أعطى السم للمجنى عليه بكميات ضئيلة على عدة مرات متوالية ، وحدثت الوفاة نتيجة لذلك كان الجانى معاقباً على الجريمة التامة ، فإن اكتشفت الجريمة قبل ذلك كان الفعل شروعاً معاقباً عليه أيضاً .

اثبات التسميم:
يستعان على إثبات التسميم برأى الاخصائيين وبطريقة التحليل ، لأن كون المادة سامة أو غير سامة وأنها تسبب الوفاة ، من المسائل العلمية الفنية ، لا سيما مع تقدم علمى الطب والكيمياء ، وليس ضرورياً أن يوجد بقايا السم بالجثة بعد الوفاة للحكم بالادانة فى جناية التسميم ، فقد كشف العلم من أنواع السموم مالا يترك بقية له بالأحشاء ، وهذه الأحوال وإن كانت نادرة فى القطر المصرى ، إلا انها لو ثبت وقوعها لكان الفعل تسميما متوافر الأركان مستوجباً للعقاب . مادام القتل قد وقع نتيجة للتسميم أيا كانت وسيلة استخدام السم وطبيعته .
وإذا تمسك الدفاع عن المتهم بطلب ندب خبير فنى فى الجواهر السامة فحكمت المحكمة بالادانة دون أن تتعرض لهذا الطلب أو ترد عليه فإن الحكم يكون معيبا مستوجباً للنقض لأهمية هذا الطلب وتعلقه بتحقيق الدعوى فى سبيل تعرف الحقيقة فيها . ( نقض 11/11/ 1946 فى القضية 981 سنة 16 القضائية )
ويجب أن يتوفر القصد الجنائى على التسميم كما فى جناية القتل عمداً، ويتوفر القصد متى كان الجانى قد استخدم مادة سامة وهو عالم بذلك ، مريداً إحداث الموت ، فاذا لم يكن التسميم متعمداً بأن حدث نتيجة خطأ أو إهمال فيعتبر الجانى مسئولاً عن الاصابة الخطأ أو القتل الخطأ ( المادتان 244- 238 ع ) تبعاً للنتيجة التى تتم بعد تناول السم ، وإثبات هذا الخطأ أسهل من إثبات القصد الجنائى ، فإذا ناول شخص دواء من زجاجة بها سم وهو غير قاصد القتل بل بسبب إهماله وعدم تحرزه ، أو إذا وصف الطبيب لمريضه دواء فيه عناصر سامة ركبت بنسبة كبيرة فلا يسأل إلا عن القتل أو الاصابة الخطأ .
ولا يعتد بتحديد قصد الجانى أو عدم تحديده بالنظر إلى آثار الجريمة ، فسواء قصد الجانى تسميم فرد معين بذاته ، أو أفراد غير معلومين له من قبل، فالمسئولية القانونية واحدة فى الحالتين فمن يضع السم فى وعاء معد لحفظ الماء الذى يشرب منه أفراد أسرة ، أو لحفظ غذائهم ، وقصد من ذلك أن يتناول منه عدوه وحده ، فتناول منه غيره ممن لم يرد الجانى أن يقضى عليه ، يعتبر قاتلاً بالسم ، ولا يتغير الحكم أيضاً إذا كان الشئ الذى وضع فيه السم معداً لاستعمال الجمهور فمات عدة أشخاص لا تربطهم بالجانى صلة المعرفة السابقة ، فالقصد غير المحدد لا يؤثر فى القصد الأصيل ولا يستنفده .
وكذلك لا عبرة بالخطأ فى شخصية المجنى عليه ما دام الجانى قصد التسميم، فمن وضع السم فى طعام وتركه فى غرفة عدوه حتى إذا ما دخلها تناول منه فانتهى الحادث بوفاة صديق للجانى تصادف أن دخل إلى المكان وأكل من الطعام فمات ، فالجناية قائمة والجانى قاتل بالسم ومعاقب ، ولو لم يتحقق أمله فى اغتيال عدوه ، ويعد أيضاً شارعاً فى قتل عدوه بالسم ولو لم يتناول هذا منه شيئاً لأن الجانى قد وضع السم فى متناول خصمه ولم تتم الجريمة لسبب خارج عن إرادة الجانى وهو غياب المجنى عليه عن غرفته ، وهو ظرف لم يتوقعه الجانى ولا دخل لارادته فيه .
إ وقد تدق المسألة ويصعب الاهتداء إلى حلها فيما إذا تناول المجنى عليه السم المعد لقتله وأعطى منه وهو حسن النية إلى شخص آخر ، أو إذا لم يتناوله إطلاقاً وخص غيره به وهو لا يدرى حقيقة ما يقدمه ، لنفرض أن الجانى جهز السم ووضعه فى قطعة من الحلوى وتركها فى المكان الذى سيتناولها منه عدوه، ولما حضر هذا تناول جزءاً مما أعده الجانى ، وسلم باقية إلى ابنه أو ابنته أوصديقه أو جاره أو خادمه ، ثم سلم أحد هؤلاء بدوره جزءاً مما أخذ إلى قريب أو صاحب له ، فأكلوا منها جميعاً ، أو أكل البعض منهم ، ومات من مات ونجا من الموت من نجا ، فما مسئولية الجانى عن تلك النتائج التى تعددت فبلغت غايات لم يكن يهدف اليها عندما أراد قتل عدوه وحده ؟ هل يسأل عن تسميم عدوه أو الشروع فى تسميمه ؟ وعن كل جريمة أخرى تمت أو بدئ فى تنفيذها نتيجة لتوزيع السم على المجنى عليهم من يد أو أيد بريئة ؟ أو تقتصر مسئوليته على أولى تلك النتائج ؟
إن محل النظر فى هذا الفرض هو قصد المتهم الاحتمالى المؤسس على قصده الأصيل ، وإلى أى مدى يجب الأخذ بهذا القصد أمام تلك النتائج المتعددة ؟
من المبادئ العامة فى القصد الاحتمالى ، أن الجانى لا يحاسب فقط عن نيته المؤكدة التى استقرت فى نفسه ، وانما يحاسب أيضاً عن كل ما توقعه عند ارتكاب الفعل الاجرامى الذى مضى فى تنفيذه غير مبال بما ينتهى اليه ، بل وما كان يجب عليه أن يتوقعه من تلك النتائج ، ولو لم يتوقعه بالفعل ، ما دام يصح فى التصور أن هذه النتائج الأخرى التى حدثت ممكنة عقلاً وعادة ، وما دامت تربطها بفعل الجانى رابطة سببية كافية تبرر إسناد النتيجة إلى مقدمتها .
وعلاقة السببية فى القانون الجنائى قد عنى ببحثها علماء الألمان ، على ما هو ثابت فى كتب الفقه ، حيث فرعوا من هذا البحث عدة نظريات ترمى كل واحدة منها إلى وضع مقياس ضابط للمسئولية ، وأقرب هذه النظريات لقواعد المسئولية الجنائية نظرية السبب الكافى فهى تضع أقرب الضوابط المنطقية إن لم تكن أصحها ، ومؤدى هذه النظرية أنه إذا كان الفعل قد أفضى إلى النتيجة بحسب مجرى العرف والعادة وسير الأمور المألوف ، وتتابعت الحلقات بين السبب والنتيجة تتابعا متناسقا مضطردا فيعتبر الجانى مسئولاً عن النتيجة التى حدثت ، أما إذا تداخل عامل شاذ بين هذه الحلقات فى دورانها ، انقطعت علاقة السببية ولا يحمل الجانى وزر تلك النتيجة التى كانت أثراً لذلك العامل الشاذ الغريب .
وإذا طبقت هذه القاعدة على الفرض المتقدم ، سهل الاهتداء إلى الحكم ، فكلما كان تداول الطعام ( المسموم ) بين عدة أشخاص وعلى أثر تقديمة إلى المجنى عليه الذى أراد الجانى قتله ، ولم يطرأ على هذا التداول سبب شاذ يتنافر مع المألوف وطبيعة الأمور المعتادة ، لزم من ذلك أن يسأل الجانى عن كل نتيجة وقعت ، فمناولة جزء من الطعام لقريب أو صديق أو جار ، أو وضع السم فى مكان يختلف اليه شخص معين اعتاد أن يتناول طعامه أو شرابه فيه ، أو اشتراك عدة أشخاص فى وقت واحد فى الطعام المسموم على عادتهم أو بناء على دعوتهم للغذاء ، فى هذه الصور وأمثالها يأبى الذوق القانونى كما تأبى قواعد المسئولية أن يحمل الجانى بعض النتائج دون بعض ، فهو مسئول عنها جميعا بدرجة واحدة ، لأن الجانى إذا لم يكن توقع هذه النتائج فعلاً ، فالمفروض فيه أن يتوقعها ، كما هو مفروض فى الشخص العاقل الحريص الذى يدرك عواقب الأمور .
واما إذا توسط بين السبب والنتيجة حلقة غريبة تشذ عن المتعارف المعتاد ، كما إذا وضع الطعام المسموم فى مكان أغلقه حتى يحضر المجنى عليه ويتناوله فاختلسه لص وأكل منه فمات ، أو سقط الطعام المسموم من مكانه فالتقطه أحد الناس وأكله أو سلمه لغيره فاستعمله فى غذائه أو اشتبه المجنى عليه فيه فألقاه حيث تلقى المهملات فامتدت اليه يد عابثة استعملته غذاء أو نحو ذلك ، فكل هذه الحلقات تعتبر قاطعة لسلسة السببية وتقف مسئولية الجانى عند حد النتائج التى سبقتها إن ساغ العقاب عليها .

الشروع فى التسميم :
إذا تناول المجنى عليه السم فمات كانت جناية التسميم تامة طبقاً لنص المادة 233ع . وأما الشروع فى هذه الجناية ففيه مسائل تستلزم التفصيل .
من المسلم به طبقاً للمبادئ العامة أن شراء السم أو تجهيزه هو من الأعمال التحضيرية التى لا عقاب عليها ، ولكن تبدأ الصعوبة فى التكييف القانونى منذ اللحظة التى يمزج أو يخلط فيها السم بالغذاء أو الشراب فإذا اقتصر عمل الجانى على هذه المرحلة وحدها ولم يتجاوزها ، فالجريمة ما زالت فى دور التحضير أيضاً ، وإنما يبدأ التنفيذ منذ الوقت الذى يقدم فيه الطعام المسموم إلى المجنى عليه فعلاً أو حكما ، وبعبارة أخرى يعتبر شروعاً وجود الغذاء بين يدى المجنى عليه بحيث يسهل عليه تعاطيه ، أو إذا وضع فى المكان الذى إذا وجده فيه المجنى عليه كان تناوله منه أمراً محققاً أو راجحاً على الأقل فالجانى يكون فى الحالتين قد استنفد كل نشاطه الإجرامى فاذا أحجم المجنى عليه بعد ذلك عن تناول السم أو تناول منه جزءاً يسيراً ولفظه لشبهة فى طعمه أو ابتلع منه ما لا يكفى لقتله ، فالجريمة قد وقعت غير تامة ويجب عقاب الجانى على الشروع الذى لم يتم لأسباب لا تتصل بأرادة الجانى بصلة ، وعلى ذلك يعتبر شروعاً وضع مادة السامة فى إناء الطعام المعد لأن يتناول المجنى عليه غداءه منه أو فى آنية شربه أو فى قارورة دوائه أو فى قدح شرابه .
وقد اعتبرت المحاكم الفرنسية شروعاً فى التسميم تسليم الجانى المادة السامة لشخص حسن النية لتقديمها للمجنى عليه فاشتبه هذا الوسيط فى الأمر واكتشف الجريمة قبل أن يتناول المجنى عليه شيئاً مما أزمع الجانى تقديمه إليه . وحكمت محكمة النقض الفرنسية فى قضية وقائعها أن أمرأة أعدت مادة الفسفور السائلة وسلمتها لزوجة أخيها على أنها دواء يشفى ابنتها من مرضها فاشتبهت الأم فى تلك المادة ، ولما أرسلت للتحليل ثبت أنها سامة ، وقدمت المتهمة للمحاكمة ، فاعتبرت محكمة الاستئناف هذا الفعل شروعاً فى تسميم وأيدت محكمة النقض هذا الرأى .
وقد يعدل الجانى عن جريمته بعد بدء تنفيذها ، كما إذا أتلف الجانى بارادته ما أعده من الطعام المسموم قبل أن يصل ليد المجنى عليه ، أو حال بينه وبين تعاطى ما أعده له من طعام مسموم ، أو استعادته الشئ من شخص كلف بحمله إلى حيث يوجد المجنى عليه ، فلا جريمة عليه ولا عقاب ، ويدخل فى معنى العدول مناولة الجانى ترياقا للمجنى عليه ، ليفسد أثر السم ، فلا عقاب أيضاً فى هذه الحالة لأن السياسة الجنائية يجب أن تفسح للجانى مدى العدول عن جريمته، محافظة على حياة الناس وحرصاً على مصلحة المجتمع فيقبل منه حتى بعد أن يبدأ فى الجريمة ، أن يعدل عنها بارادته لينجو من المسئولية .

اعطاء المواد الضارة المنصوص عليه فى المادتين 236و 265 ع :
من الجرائم التى تقارب جريمة التسميم عند النظر إلى الركن المادى ، جريمة إعطاء المواد الضارة المنصوص عليها فى المادة 236 ع فى باب القتل والجرح والضرب ، والمادة 265ع فى باب إسقاط الحوامل وصنع وبيع الأشربة والجواهر المغشوشة والمضرة بالصحة .
ففى المادة 236 ع شبه الشارع إعطاء المواد الضارة باحداث الجرح والضرب، وعاقب على هذه الجريمة إذا أفضت إلى الموت ، وبغير قصد القتل، بعقوبة من يحد ث بغيره إصابات ولم يقصد منها قتله ولكنها أفضت إلى موته. وفى المادة 265 ع جعل الشارع من إعطاء الجواهر غير القاتلة فنشأ عنها مرض أو عجز وقتى عن العمل ، جريمة مشبهة بجريمة الجرح والضرب وعاقب عليها طبقاً لأحكام المواد 240، 241 ، 242 على حسب جسامة النتيجة التى حدثت عن إعطاء تلك الجواهر .