جريمة إسقاط الحوامل


جريمة إسقاط الحوامل
تتميز جريمة إسقاط الحوامل ببعض الأحكام التى خرج فيها الشارع على القواعد العامة . وأكثر تلك الأحكام متعلق بالعقوبة التى توقع على مرتكبها .
اركان جريمة الاسقاط :
(1) أن يحدث اسقاط ، وهذا يفترض وجود حمل .
(2) أن تستعمل وسائل ما .
( 3) القصد الجنائى .

الركن الأول : أن يحدث إسقاط
ـ وجود الحمل : تفترض الجريمة وجود حمل . والحمل الذى يمكن إسقاطه هو البويضة الملقحة من لحظة التلقيح إلى اللحظة التى تتم فيها الولادة الطبيعية وإثبات وجود الحمل مسألة لا تثير صعوبة عادة والمرجع فيها إلى الطبيب الشرعى .
تعريف الاسقاط : لفظ الاجهاض لفظ عام، يدل على كل خروج للجنين قبل موعده ، سواء أكان ذلك بسبب طبيعى : مرض أو ضعف أو بسبب حادث عارض : سقوط ، صدمه عصبية ، أو بسبب تدخل عمدى جنائى .
لفظ الاجهاض يدل - على فعل خروج الجنين قبل موعده ، وليس هذا بداهة ما يقصده القانون ، وإنما هو يقصد معنى محددا قصده بكلمة " الاسقاط " ، فما هو هذا المعنى ؟
يرى بعض الفقهاء أن المشرع إذ يقرر العقاب على الاسقاط فهو إنما يريد أن يحمى الجنين نفسه ، أى أن الاسقاط نوع من القتل العمد ، فإذا ما أخرج الجنين قبل موعده دون أن يموت ، فلا جريمة هناك ، بعبارة أخرى لا يتحقق الاسقاط إلا باخراج الجنين ميتاً قبل أوان ولادته .
ويرى البعض الآخر أن الشارع إنما يرمى إلى أن يترك الحمل يستوفى أجله ، فلا تبتسر الولادة عمداً . وواضح أن ابتسار الولادة عمدا يترتب عليه ـ إلا فى حالات نادرة جدا - وفاة الجنين ، ولذا لم يشترط هؤلاء الشراح ، موت الجنين ركناً فى تعريف الجريمة . وهذا الرأى الثانى هو الأرجح فقهاً وقضاء .
وعلى هذا فيمكن تعريف الاسقاط بإنه إخراج الحمل عمداً قبل الأوان .
ويتميز الاسقاط عن قتل الطفل عمدا بأن الاسقاط إخراج عمداً لما فى الرحم ولو أخرج الجنين حيا ، أما قتل الطفل الحديث العهد بالولادة فيفترض أن الطفل ولد ولادة طبيعية ، وقتل إما أثناء عملية الولادة نفسها ، وإما أثر ولادته .
فضلاً عن ذلك فالقتل لا يمكن أن يتم إلا إذا كان الطفل حياً أزهقت روحه ، ولو لم يثبت أنه تنفس فعلاً ، ما دام قد ولد قابلاً للحياة ، فاذا تحقق أنه كان ميتاً قبل ولادته . فلن يكون ثم إلا شروع فى قتل على أسوأ الفروض ، أما الاسقاط فيقع ولو كان الجنين ميتا ، ما دام الجانى يجهل ذلك ، ويعتبر عندئذ جريمة تامة فى الرأى الراجح .
الخلاصة : أن المميز الرئيسى لجريمة الاسقاط هو أنها ابتسار للولادة ، إخراج للجنين - بمعنى البويضة الملحقة وما تطورت اليه - بشكل غير طبيعى ؛ وعلى ضوء هذا المميز تكيف الجريمة ويفرق بينها وبين قتل طفل حديث الولادة عمدا.ً

الركن الثانى - وسائل الاسقاط
أهمية هذا الركن : هذا الركن من أهم أركان الجريمة . لأن استعمال وسائل صناعية هو الذى يميز بين إجهاض طبيعى أو عارض وبين الاسقاط العمدى المعاقب عليه .
ووسيلة الاسقاط - كوسيلة القتل - هى الطريق الذى يكشف عن القصد الجنائى ، والقصد هو الفيصل الذى به يميز بين الاسقاط وبين الجرائم الأخرى التى قد تشترك معه فى النتيجة .
ففعل الاجهاض فعل ماس بسلامة الجسم فأى وسيلة تحدثه عمدا هى إذن مما يدخل فى نطاق مواد " الايذاء البدنى العمد بالمعنى " وبداهة عندما فرق الشارع بين الوسائل لم يرد بالضرب معناه الواسع ، وإلا كان النص لغوا لا فائدة منه . ولما كان من الضرورى إعمال النص ، تعين أن نقصر معنى عبارة " الضرب ونحوه من أنواع الايذاء .
فوسيلة الاجهاض لا أهمية لها - من حيث قيام أركان الجريمة - وكل أهميتها هى أولاً فى تحديد نطاق تطبيق م260 ع التى هى نص غير موفق يتعين تعديله لكى تكون النصوص متلائمة متسقة .
وغنى عن البيان أنه - وقد اشترط قانوننا للعقاب أن تكون الجريمة تامة - فلابد من أن يثبت أن الوسيلة المستعملة قد كانت السبب فى النتيجة ، أى أن يثبت أنه كان بين الوسيلة والنتيجة رابطة سببية ، وهذه نقطة يفصل فيها الطبيب الشرعى.
ورابطة السبية هنا يجب أن تفهم كما فى القتل العمد ، وأن تقدر بنفس المعيار السابق .
اما الأهمية الثانية الوسيلة فهى أنها - كما فى القتل - سبيل التمييز بين الاسقاط المتعمد ، والاجهاض غير المتعمد ، سبيل الكشف عن الركن الثالث للجريمة ، وهو القصد الجنائى .


الركن الثالث : القصد الجنائى
تعريف : نصت المادتان 260 و261 على عقاب كل من " أسقط عمدا " أمرأة حبلى .....
ومن هذه النصوص الصريحة يبين أن الاسقاط جريمة عمدية ، ولما كان الاسقاط - كالقتل عمدا ـ تتميز فيه النتيجة عن الفعل ، فحتى يتوافر القصد الجنائى يجب أن يثبت أن الجانى تعمد ارتكاب الفعل ( الوسيلة التى أدت إلى الاجهاض ) وتعمد ارتكاب النتيجة ، أى أن قصده قد انصب أصلاً على النتيجة وأنه ارتكب الفعل عمدا بقصد تحقيقها .
بعبارة أخرى القصد الجنائى فى الاسقاط ـ حتى عند القائلين بالقصد الخاص ـ هو القصد العام : تعمد ارتكاب الجريمة بالشروط التى حددها القانون . أو ارتكاب الفعل مع العلم بأنه محرم قانونا . أى أن القصد يجب أن ينصب على كل أركان الجريمة .
وسنفصل ذلك فيما يلى :
العلم بالحمل : الاسقاط يفترض وجود حمل ، وبداهة لا يمكن مساءلة الشخص عن إسقاط إلا إذا علم بوجود حمل . فاذا جهل هذه الواقعة ، وأحدث فعله إجهاضا ( وهذا مفترض لأنه لا عقاب على الشروع فى الاسقاط ) فلا يمكن أن يقع فعله تحت نصوص المواد 260 وما بعدها ، وإن كان يمكن أن يقع تحت طائلة نصوص أخرى : إيذاء بدنى عمد أو خطأ حسب الأحوال .
ارادة الفعل : لكى يتوافر القصد الجنائى فى الاسقاط عمدا يجب أن يثبت أن المتهم قد ارتكب الفعل عن شعور وإرادة .
فمن يقع - بسبب قوة قاهرة - على إمرأة حامل فيجهضها ، لا يسأل عن إسقاط لأنه لم يرد الفعل ، وبالمثل من يأتى الفعل من غير شعور بسبب مسكر أو مخدر.
وعدم المسئولية هنا راجع إلى القواعد العامة للمسئولية الجنائية ، والارادة والشعور مفترضان فى الشخص العاقل - والأصل فى الانسان العقل - إلى أن يثبت العكس .
ارادة النتيجة : يجب أن يثبت أن الجانى قد قصد إحداث الاجهاض بالذات ، وأن يقترف الفعل عمدا لكى يتوصل إلى تحقيق غايته .
فمن يضرب امرأة يعلم أنها حامل ، ولكنه لا يقصد إلا مجرد الضرب لا يسأل عن إسقاط لأنه لم يقصده .
ولا محل هنا للاحتجاج بفكرة القصد الاحتمالى ، لأنه حيث يعاقب الشارع ـ فى جريمة عمدية - على نتيجة معينة فلابد أن يثبت أن الجانى قد قصد هذه النتيجة بالذات .
ولن يغنى فى إثبات القصد أن تكون النتيجة محتملة أو حتى قريبة الاحتمال. ولكن إذا كانت النتيجة حتمية لازمة ، فيكفى أن يعتمد ارتكاب الفعل لكى يسأل مقترفة عن النتيجة .
الخلاصة : أن القصد الجنائى فى جريمة الاسقاط هو القصد الجنائى العام ، وأنه يجب أن ينصب على النتيجة والفعل ، على أن يطبق تماماً كما يطبق القصد فى القتل العمد ( مع ملاحظة فرق الشروع ) .
اما الطبيب الذى يسقط لانقاذ الأم فعمله تبرره حالة الضرورة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق