السلوك الإجرامي

السلوك الإجرامي

مقدمة

يُعدّ السلوك الإجرامي الركيزة المادية الأولى في تكوين الجريمة، إذ لا يكفي أن تتكوّن النية الإجرامية في ذهن الشخص وحدها حتى تقوم الجريمة، بل يجب أن تخرج هذه الإرادة إلى حيز الوجود بصورة سلوك ظاهر، سواء كان فعلاً إيجابياً أو امتناعاً عن فعل كان القانون يفرضه.

وفي إطار النظرية العامة للجريمة، يكتسب السلوك الإجرامي أهمية خاصة؛ لأنه يمثل الجانب الخارجي الذي يتصل به وصف القانون الجنائي، وتثبت بسببه المسؤولية الجزائية متى اقترن بالعنصر المعنوي وتوافرت شروط التجريم والعقاب.

التعريف الاصطلاحي

السلوك الإجرامي هو التعبير الخارجي والإرادي عن إرادة الجاني، والمتمثل في فعل مادي يجرمه القانون، أو امتناع عن فعل يفرض القانون القيام به، متى كان هذا الفعل أو الامتناع مؤدياً إلى الإضرار بمصلحة يحميها القانون الجنائي أو تعريضها للخطر.

وبهذا المعنى، لا يدخل في نطاق السلوك الإجرامي مجرد التفكير أو التمني أو النية المجردة، وإنما يدخل فيه كل مظهر خارجي يمكن نسبته إلى شخص بعينه، ويتخذ صفة الأهمية القانونية باعتباره خطوة تنفيذية في ارتكاب الجريمة.

الشرح القانوني للمصطلح

يقوم السلوك الإجرامي على فكرة أساسية مفادها أن القانون الجنائي لا يعاقب على الأفكار الداخلية أو المشاعر الإجرامية ما لم تتحول إلى سلوك ظاهر. فالنية وحدها، مهما كانت خطورة، لا تكفي وحدها لقيام الجريمة، إلا أن ظهورها في صورة فعل أو امتناع قابل للملاحظة يجعلها محل تقويم جنائي.

وقد يتخذ السلوك الإجرامي صورة فعل إيجابي، مثل الضرب أو السرقة أو التزوير أو التهديد، وقد يتخذ صورة امتناع سلبي، مثل امتناع الوالد عن تقديم الطعام لطفله، أو امتناع المكلف بحراسة شيء عن التدخل لمنع ضرر كان من المفروض منعه. وفي الحالتين، لا بد أن يكون السلوك منسوباً إلى الجاني وأن يكون صادراً عن إرادة واعية.

كما يرتبط السلوك الإجرامي بطبيعة الجريمة ذاتها؛ ففي الجرائم الشكلية قد يكفي القانون تحقق السلوك بذاته دون انتظار نتيجة معينة، بينما في الجرائم المادية يشترط إلى جانب السلوك تحقق نتيجة إجرامية، مثل الوفاة في جريمة القتل، مع قيام علاقة سببية بين السلوك وهذه النتيجة.

أركان أو عناصر المصطلح

ينبغي التمييز بين عناصر السلوك الإجرامي باعتباره جزءاً من الركن المادي للجريمة، وبين أركان الجريمة ككل التي تشمل عادة الركن القانوني والركن المادي والركن المعنوي. وفي حدود المصطلح ذاته، يمكن بيان عناصره على النحو الآتي:

  • السلوك الخارجي: وهو الفعل أو الامتناع الذي يظهر في العالم الخارجي، ويميز السلوك الإجرامي عن مجرد النية أو التفكير الداخلي.
  • الإرادة: يشترط أن يكون السلوك صادراً عن إرادة واعية ومختارة، فلا يعد سلوكاً إجرامياً بالمعنى الكامل ما يصدر عن الشخص في حال فقدان الإرادة أو الإدراك.
  • الارتباط بوصف الجريمة: يجب أن يكون السلوك داخلاً في نطاق الوصف الذي رسمه القانون للجريمة، سواء أكان فعلاً محظوراً أم امتناعاً عن واجب قانوني.
  • الصلة بالنتيجة، متى كانت الجريمة مادية: في الجرائم التي يشترط فيها القانون تحقق نتيجة معينة، يجب أن يكون السلوك هو السبب المباشر أو المساهم المؤثر في إحداث تلك النتيجة.
  • التجريم القانوني: لا يكون السلوك إجرامياً إلا إذا نص القانون على تجريمه أو على الالتزام الذي ترتب الامتناع عن أدائه، تطبيقاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.

مثال عملي

إذا قرر شخص في نفسه الاعتداء على آخر، فإن هذه النية وحدها لا تكفي لقيام جريمة. أما إذا أخرج هذه النية إلى حيز التنفيذ فاعتدى عليه بالضرب، فإن الضرب يمثل السلوك الإجرامي في جريمة الاعتداء، لأنه فعل مادي ظاهر صادر عن إرادة الجاني ومجرم بنص القانون.

أما في صورة الامتناع، فإذا كان الطبيب المناوب ملزماً بتقديم علاج عاجل لمريض في حالة خطر، وامتنع عمداً عن ذلك بما أدى إلى إضرار جسيم بالمريض، فقد يشكل امتناعه سلوكاً إجرامياً إذا توافرت الشروط القانونية للمسؤولية، وكان الامتناع مخالفاً لواجب قانوني أو مهني ملزم.

الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة

الفرق بين السلوك الإجرامي والنية الإجرامية: النية الإجرامية هي القصد الداخلي أو الحالة النفسية التي تتجه إلى ارتكاب الجريمة، أما السلوك الإجرامي فهو المظهر الخارجي الذي تظهر به هذه الإرادة. فالنية وحدها لا تكفي، بينما السلوك هو محل التقويم الجنائي.

الفرق بين السلوك الإجرامي والركن المادي للجريمة: الركن المادي أوسع من السلوك الإجرامي؛ إذ قد يشمل السلوك والنتيجة وعلاقة السببية والظروف المحيطة بالواقعة. أما السلوك الإجرامي فهو العنصر الأساسي داخل الركن المادي.

الفرق بين السلوك الإجرامي والنتيجة الإجرامية: السلوك هو الفعل أو الامتناع الصادر من الجاني، أما النتيجة فهي الأثر الذي يترتب على هذا السلوك، مثل حدوث الوفاة أو الضرر أو الفقدان. وقد تكتفي بعض الجرائم بالسلوك وحده، بينما تتطلب جرائم أخرى تحقق النتيجة.

الفرق بين السلوك الإجرامي والمسؤولية الجزائية: السلوك الإجرامي يمثل أحد أسس قيام الجريمة، أما المسؤولية الجزائية فهي الأثر القانوني الذي يترتب على توافر الجريمة بكافة أركانها وشروطها، بما في ذلك توافر القدرة على الإدراك والإرادة.

خاتمة

يمثل السلوك الإجرامي العنصر المادي البارز في تكوين الجريمة، وهو الجسر الذي تنتقل به الإرادة الإجرامية من المجال الداخلي إلى المجال الخارجي. ولا تقوم الجريمة بمجرد التفكير أو النية، بل لا بد من سلوك ظاهر يجرمه القانون، مقترن بالعنصر المعنوي وبالشروط التي يتطلبها القانون لقيام المسؤولية الجزائية.

ومن ثم، فإن فهم السلوك الإجرامي يعد مدخلاً أساسياً لفهم النظرية العامة للجريمة، إذ يتحدد من خلاله مدى توافر الركن المادي، ومدى إمكانية إسناد الواقعة إلى الجاني، ومدى انطباق النص الجنائي على الفعل أو الامتناع محل البحث.


الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، النظرية العامة للجريمة، السلوك الإجرامي، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي

مكتب الدهشان للمحاماة احجز استشارة الآن