الإكراه المعنوي

الإكراه المعنوي

مقدمة

يُعدّ الإكراه المعنوي من الموانع التي قد تحول دون قيام المسؤولية، سواء في المجال الجنائي أو المدني، لأنه يمسّ ركنًا جوهريًا من أركان المسؤولية، وهو الإرادة الحرة. فالإنسان لا يُسأل قانونًا عن فعل صدر عنه إذا كان هذا الفعل قد انتزع منه انتزاعًا تحت وطأة تهديد أو خوف جسيم أفقده القدرة على الاختيار الحر.

ويتميز الإكراه المعنوي عن مجرد الضغط النفسي العادي أو الإقناع أو الإلحاح، إذ لا يكفي أن يشعر الشخص بالحرج أو التردد أو القلق حتى يُعدّ مكرهًا، بل يجب أن يصل التهديد أو الخطر إلى درجة تجعل الطاعة له أدعى من الامتناع، بحيث تغلب إرادة المُكرِه على إرادة المُكرَه.

التعريف الاصطلاحي

الإكراه المعنوي هو ضغط نفسي أو تهديد جدي يوجه إلى شخص، بحيث يخشى من وقوع ضرر جسيم على نفسه أو على غيره إذا لم يمتثل لما طُلب منه، فيفقد بسببه حرية الاختيار أو تنقص هذه الحرية بدرجة معتبرة.

وبهذا المعنى، يكون الإكراه المعنوي حالة نفسية قاهرة تنشأ من تهديد أو تخويف أو وعيد، لا من قوة مادية مباشرة، غير أنها قد تكون في أثرها لا تقل خطورة عن الإكراه المادي، لأنها تحاصر إرادة الشخص وتدفعه إلى ارتكاب فعل لا يريده لولا هذا التهديد.

الشرح القانوني للمصطلح

تقوم فكرة الإكراه المعنوي على أن المسؤولية القانونية، ولا سيما المسؤولية الجنائية، تفترض أن يكون الفعل صادرًا عن إرادة حرة وقابلة للاختيار. فإذا صدر الفعل تحت تهديد يحمله على الاعتقاد الجدي بأن خطرًا جسيمًا سيحل به أو بأحد ذوي قرباه إن لم ينفذ المطلوب، فإن الإرادة تكون معيبة أو منعدمة بحسب شدة الإكراه.

وفي مجال المسؤولية الجنائية، قد يؤدي الإكراه المعنوي إلى انتفاء المسؤولية إذا كان التهديد جسيمًا ومحققًا ولا يمكن دفعه بوسيلة أخرى، لأن الفعل في هذه الحالة لا يعبر عن اختيار حر للمتهم. أما إذا كان التهديد غير جسيم أو كان من السهل تفاديه، فقد لا ينفي المسؤولية كليًا، وإنما قد يُعدّ ظرفًا مخففًا بحسب أحكام التشريع المطبق.

وفي مجال المسؤولية المدنية، ينصرف الإكراه المعنوي غالبًا إلى عيب في الرضا. فإذا أبرم شخص عقدًا أو صدر عنه تصرف قانوني تحت وطأة تهديد جدي، فإن رضاه يكون معيبًا، ويجوز طلب إبطال التصرف أو العقد متى ثبتت شروط الإكراه وارتباطه بالتصرف الصادر.

أركان أو عناصر المصطلح

  • وجود تهديد أو تخويف: يجب أن يكون هناك ضغط نفسي ناتج عن تهديد بوقوع ضرر، مثل التهديد بالقتل أو الإصابة أو الحبس أو الفضيحة أو المساس بأحد أفراد الأسرة أو إتلاف مال جسيم.
  • جدية التهديد: لا يكفي مجرد الكلام العابر أو التهديد المجرد غير القابل للتحقيق، بل يجب أن يكون التهديد جديًا بحيث يبعث في نفس الشخص خوفًا معقولًا.
  • جسامة الخطر: يجب أن يكون الخطر المتوقع جسيمًا، بحيث لا يكون مجرد ضرر بسيط أو مصلحة عادية. وتقدر جسامة الخطر بحسب الملابسات وشخصية المكره وطبيعة التهديد.
  • عدم إمكان دفع الخطر بسهولة: يشترط ألا يكون أمام المكره طريق معقول وسهل لتجنب الخطر، مثل اللجوء إلى السلطات أو الهروب أو طلب الحماية، متى كانت هذه الوسائل متاحة فعليًا ولا تعرضه لخطر أكبر.
  • العلاقة السببية بين التهديد والفعل: يجب أن يثبت أن الفعل صدر بسبب التهديد، وأن الشخص ما كان ليقدم عليه لولا الإكراه الذي وقع عليه.
  • انتفاء الحرية أو نقصانها: تتفاوت قوة الإكراه من حالة إلى أخرى؛ فقد يصل إلى حد انعدام الإرادة، وقد يقتصر على إضعافها، وذلك بحسب درجة الخطر وقدرة الشخص على المقاومة.

مثال عملي

إذا هدّد شخص موظفًا في مؤسسة مالية بأنه سيقتل أحد أفراد أسرته إذا لم يسلمه مبلغًا من المال أو يكشف له رمزًا سريًا، فاستجاب الموظف لهذا التهديد خوفًا على حياة قريب له، فإن تصرف الموظف قد يدخل في نطاق الإكراه المعنوي، متى ثبتت جدية التهديد وجسامته وعدم إمكان دفعه بوسيلة أخرى.

وفي مثال مدني، إذا وقع شخص عقد بيع تحت تهديد جدي بإلحاق ضرر كبير به أو بزوجته أو ولده، فإن رضاه يكون معيبًا بالإكراه المعنوي، ومن ثم يجوز له المطالبة بإبطال العقد إذا أثبت أن التهديد كان سببًا مباشرًا في توقيعه.

الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة

الإكراه المعنوي والإكراه المادي: الإكراه المادي يحدث عندما تستخدم قوة مادية مباشرة تجعل الشخص آلة منفذة بلا إرادة، كإمساك يد شخص وإجباره على التوقيع أو تنفيذ حركة معينة. أما الإكراه المعنوي فيقوم على التهديد والتخويف، مع بقاء قدرة جسدية ظاهرية لدى الشخص، غير أن إرادته تكون مقيدة بالخوف.

الإكراه المعنوي وحالة الضرورة: حالة الضرورة تنشأ غالبًا من ظروف موضوعية أو خطر قائم لا يكون بالضرورة صادرًا عن تهديد شخصي مباشر، مثل دخول شخص أرض الغير لإنقاذ مصاب من حادث. أما الإكراه المعنوي فيقوم على تهديد صادر عن شخص أو ظروف تجعل الشخص يخشى وقوع ضرر محدد إذا لم يمتثل.

الإكراه المعنوي والتهديد: التهديد هو السلوك الذي يصدر من الغير، بينما الإكراه المعنوي هو الأثر القانوني والنفسي الذي يترتب على هذا التهديد إذا بلغ درجة الجسامة والجدية التي تنال من حرية الإرادة. فليس كل تهديد يصلح لأن يكون إكراهًا معنويًا.

الإكراه المعنوي وعيب الرضا في العقود: الإكراه المعنوي قد يكون سببًا من أسباب عيب الرضا في التصرفات المدنية، لكنه ليس مرادفًا لكل عيوب الرضا. فالغلط والتدليس مثلًا يؤثران في الإرادة بطريق مختلف؛ فالغلط يتعلق بفهم خاطئ لواقع التصرف، والتدليس يتعلق بحيل أو أغاليط يقصد بها حمل الشخص على التعاقد، بينما الإكراه يقوم على الخوف من ضرر جسيم.

الإكراه المعنوي واضطراب الإرادة أو الأهلية: اضطراب الأهلية أو الإدراك يتعلق بحالة الشخص الذهنية أو قدرته القانونية على التمييز، أما الإكراه المعنوي فيتعلق بضغط خارجي يرد على إرادة شخص قد يكون كامل الأهلية، فيجعل إرادته غير حرة وقت التصرف أو الفعل.

خاتمة

يظل الإكراه المعنوي مبدأ قانونيًا مهمًا يجسد مراعاة العدالة لضعف الإرادة الإنسانية أمام التهديد الجسيم. فالقانون لا ينظر إلى الفعل


الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، موانع المسؤولية، الإكراه المعنوي، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي

مكتب الدهشان للمحاماة احجز استشارة الآن