قصور التسبيب

قصور التسبيب

مقدمة

يُعد التسبيب من الضمانات الجوهرية التي تقوم عليها الأحكام القضائية، إذ لا يكفي أن يصدر الحكم بحسم النزاع، بل يجب أن يبين الطريق القانوني والعقلي الذي سلكته المحكمة للوصول إلى ما انتهى إليه منطوقه. فالتسبيب يحقق غاية مزدوجة: فهو من جهة يمكّن الخصوم من معرفة أسباب الحكم ومواطن قوته أو ضعفه، ومن جهة أخرى يتيح للمحكمة الأعلى، عند الطعن، ممارسة رقابتها على صحة الاستنباط القانوني وسلامة تطبيق القانون.

ومن ثم، فإن قصور التسبيب يعد من العيوب التي قد تصيب الأحكام، لأنه لا يعني مجرد اختلاف الرأي في تقدير الأدلة، وإنما يعني أن الأسباب التي بنى عليها الحكم لم تكن كافية أو واضحة أو مترابطة بالقدر الذي يسمح بفهم أساسه القانوني والواقعي.

التعريف الاصطلاحي

يقصد بقصور التسبيب: عدم كفاية الأسباب التي وردت في الحكم لبيان الأسس الواقعية والقانونية التي اعتمدتها المحكمة في الوصول إلى منطوقه، سواء كان ذلك بإغفال بحث دفوع جوهرية، أو الاكتفاء بعبارات عامة لا تكشف عن مدى اقتناع المحكمة بالأدلة، أو عدم بيان الصلة بين ما ثبت من وقائع وما تقرر من حكم.

وبعبارة أخرى، فإن الحكم يكون مسبباً قصوراً عندما توجد فيه أسباب ظاهرية، لكنها لا تؤدي وظيفتها القانونية في توضيح المبرر الحقيقي للقضاء، أو لا تكفي لإظهار كيفية تطبيق القانون على الوقائع التي اعتبرتها المحكمة ثابتة.

الشرح القانوني للمصطلح

التسبيب هو روح الحكم، لأنه يربط بين الوقائع التي تثبت أمام المحكمة، والأدلة التي تطمئن إليها، والقواعد القانونية التي تطبقها، ثم النتيجة التي يتضمنها المنطوق. فإذا انقطعت هذه الرابطة أو كانت غير واضحة، كان التسبيب قاصراً.

وقصور التسبيب لا يتحقق بمجرد أن تكون صياغة الحكم مختصرة، إذ يجوز للمحكمة أن توجز في أسبابها ما دامت قد بينت بوضوح ما اعتمدت عليه وما بنى عليه حكمها. كما لا يعد قصوراً مجرد عدم مناقشة المحكمة لكل تفصيلة من تفصيلات المرافعة، ما لم تكن هذه التفصيلات ذات أثر في الفصل في الدعوى.

إنما يتحقق القصور عندما تفشل أسباب الحكم في الإجابة عن سؤال قانوني جوهري، مثل: ما الواقعة التي اعتبرت المحكمة ثبوتها؟ ما الدليل الذي اعتمدته؟ ما قيمة هذا الدليل في نظر المحكمة؟ ما الدفع الذي تم قبوله أو رفضه؟ وما القاعدة القانونية التي طبقها الحكم على هذه الوقائع؟

ويترتب على هذا القصور أن يصبح الحكم معرضاً للطعن، لأن الرقابة عليه تصبح متعذرة أو ناقصة، كما أن الخصم قد يُحرم من فهم الأساس الذي بُني عليه القضاء ضده أو له.

أركان أو عناصر المصطلح

يتكون قصور التسبيب من عدة عناصر أساسية:

  • وجود حكم واجب التسبيب: فالقصور لا يتصور إلا في حكم ملزم ببيان أسبابه، سواء كان ذلك بمقتضى القانون أو بمقتضى المبادئ العامة للعدالة القضائية.
  • وجود منطوق محدد: إذ يجب أن يكون الحكم قد قضى في موضوع معين، حتى يمكن البحث عما إذا كانت أسبابه كافية لتبرير هذا القضاء.
  • وجود أسباب غير كافية: ويكون ذلك بأن تكون الأسباب عامة أو غامضة أو ناقصة، بحيث لا تكشف عن الأساس الحقيقي الذي استندت إليه المحكمة.
  • إغفال دفوع أو مسائل جوهرية: كأن تغفل المحكمة دفعاً مؤثراً في النتيجة، مثل دفع التقادم، أو السداد، أو انعدام الصفة، أو عدم قبول الدليل، دون بيان سبب قبوله أو رفضه.
  • عدم وضوح الصلة بين الوقائع والقانون: فالحكم قد يذكر الوقائع ثم يورد قاعدة قانونية، لكنه لا يبين كيفية انطباق القاعدة على الوقائع.
  • تأثير القصور في سلامة الحكم: لا يكفي أن يوجد نقص في الصياغة، بل يجب أن يكون من شأنه المساس بإمكانية فهم الحكم أو مراقبة صحته، أو أن يكون مؤثراً في النتيجة التي انتهى إليها المنطوق.

مثال عملي

إذا رفع شخص دعوى مطالبة بمبلغ نقدي استناداً إلى عقد مكتوب، ودفع المدعى عليه بأن الدين قد انقضى بالتقادم، وقدم في هذا الشأن مستندات تدل على تاريخ نشوء الالتزام وتاريخ المطالبة به، ثم قضت المحكمة برفض دفع التقادم دون أن تبين في أسباب حكمها تاريخ نشوء الحق، أو تاريخ المطالبة القضائية، أو المدة التي اعتبرتها منطبقة، أو سبب عدم قبول حجة التقادم.

ففي هذه الحالة يكون التسبيب قاصراً، لأن المحكمة لم توضح الأساس الواقعي والقانوني الذي استبعدت به دفعاً جوهرياً كان من شأنه أن يغير نتيجة الدعوى. فالحكم وإن كان قد تضمن نتيجة، إلا أن أسبابه لم تكن كافية لفهم كيفية الوصول إليها.

ومثال آخر: أن يحكم القاضي بإلزام المدعى عليه بالتعويض لمجرد القول بأن فعله كان ضاراً، دون أن يبين عناصر المسؤولية التي توافرت لديه، من خطأ وضرر وعلاقة سببية، ودون أن يوضح مقدار الضرر وطريقة تقديره. فهذا الحكم يكون معرضاً للقصور في التسبيب لأن أسبابه لم تربط بين الوقائع والقواعد القانونية بصورة كافية.

الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة

يختلف قصور التسبيب عن بعض المصطلحات القريبة منه، وإن كان قد يتداخل معها في بعض الصور العملية:

  • الفرق بين قصور التسبيب وانعدام التسبيب: انعدام التسبيب يعني عدم وجود أسباب للحكم أصلاً، أو وجود صيغة لا يمكن اعتبارها تسبيباً. أما قصور التسبيب فيفترض وجود أسباب، لكنها غير كافية أو غير واضحة أو غير رابطة بما يكفي.
  • الفرق بين قصور التسبيب وفساد التسبيب: فساد التسبيب يكون عندما تكون الأسباب الموجودة في الحكم معيبة في ذاتها، كأن تقوم على فهم قانوني خاطئ جوهري، أو على واقعة مستحيلة، أو على دليل لا يصلح سنداً للقضاء. أما القصور فيكون في نقص أو عدم كفاية هذه الأسباب.
  • الفرق بين قصور التسبيب والتناقض في التسبيب: التناقض يقع عندما تتعارض الأسباب مع بعضها، أو تتعارض مع منطوق الحكم. أما القصور فيتحقق دون ضرورة وجود تعارض، إذ يكفي أن تكون الأسباب ناقصة لا تكفي لتبرير الحكم.
  • الفرق بين قصور التسبيب والخطأ في تطبيق القانون: الخطأ في تطبيق القانون يفترض أن الوقائع واضحة والأسباب مفهومة، لكن المحكمة أخطأت في إسناد الوصف القانوني الصحيح أو في اختيار القاعدة القانونية المناسبة. أما قصور التسبيب فيتعلق بعدم كفاية بيان الأساس الذي أدى إلى النتيجة.

  • الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، عيوب الأحكام، قصور التسبيب، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي

مكتب الدهشان للمحاماة احجز استشارة الآن