عدم الاحتراز

عدم الاحتراز

مقدمة

يُعدّ مصطلح عدم الاحتراز من المصطلحات الأساسية في نطاق الجرائم غير العمدية، إذ يقوم على فكرة أن الشخص لم يتخذ ما كان ينبغي اتخاذه من احتياط وتبصر وحذر لمنع وقوع نتيجة ضارة كان من الممكن توقعها وتجنبها. ولا تقوم المسؤولية الجنائية في هذه الحالة على قصد إحداث الضرر، وإنما على مخالفة واجب الحيطة الذي يفرضه القانون أو العرف أو طبيعة النشاط الذي يمارسه الشخص.

وتكتسب هذه الصورة أهمية خاصة في الحوادث الناتجة عن استعمال المركبات، أو ممارسة المهن، أو أعمال البناء، أو التعامل مع الآلات والمعدات، أو الإشراف على أماكن يتوقع مرور الجمهور فيها. فالقانون لا يطلب من الشخص أن يكون معصوماً من الخطأ، ولكنه يطلب منه أن يتصرف بحذر الشخص المعتاد في الظروف ذاتها، وأن يتخذ التدابير المعقولة لمنع الضرر.

التعريف الاصطلاحي

يقصد بعدم الاحتراز في الاصطلاح القانوني: إغفال الشخص اتخاذ ما يلزم من تدابير الحيطة والحذر لمنع وقوع ضرر كان متوقعاً أو كان جديراً بأن يكون متوقعاً في ضوء الملابسات المحيطة.

وبذلك يكون عدم الاحتراز صورة من صور الخطأ غير العمدي، لا تقوم على إرادة إحداث النتيجة الإجرامية، وإنما تقوم على التقصير في الوقاية منها. وهو يختلف عن مجرد وقوع الضرر؛ إذ لا يكفي أن يحدث ضرر حتى تثبت المسؤولية، بل يجب أن يثبت أن الفاعل أخلّ بواجب الاحتراز المطلوب منه.

الشرح القانوني للمصطلح

في الجرائم غير العمدية، لا يشترط أن يكون الجاني قد قصد إحداث النتيجة الضارة، كالوفاة أو الإصابة أو التلف، بل تكفي نسبته إلى خطأ غير عمدي يتمثل في الإهمال أو التهور أو عدم مراعاة القوانين واللوائح أو عدم الاحتراز. ويقصد بعدم الاحتراز بوجه خاص أن الشخص كان بإمكانه، بحكم وضعه أو مهنته أو نشاطه، أن يتوقع احتمال وقوع ضرر، ومع ذلك لم يتخذ الوسائل المناسبة لدفع هذا الاحتمال أو تقليله.

ويتحدد معيار عدم الاحتراز غالباً بالمقارنة بين سلوك الشخص الفعلي وسلوك الشخص المعتاد الحريص في الظروف ذاتها. فإذا كان الشخص العادي أو المهني الحريص كان سيضع إشارة تحذير، أو يغلق مكاناً خطراً، أو يتحقق من سلامة المعدة، أو يلتزم بإجراءات السلامة، ثم امتنع عن ذلك فوقع الضرر، أمكن وصف سلوكه بعدم الاحتراز.

غير أن عدم الاحتراز لا يثبت بمجرد وقوع الحادث. فالمسؤولية الجنائية عن الجريمة غير العمدية تقتضي قيام خطأ قابل للنسبة إلى المتهم، وقيام نتيجة ضارة، ووجود علاقة سببية بين الخطأ والنتيجة. كما تستبعد المسؤولية إذا ثبت أن الضرر نجم عن قوة قاهرة أو حادث مفاجئ لا يمكن توقعه أو دفعه.

أركان أو عناصر المصطلح

  • واجب الحيطة والاحتراز: يجب أن يكون هناك واجب قانوني أو مهني أو اجتماعي يفرض على الشخص اتخاذ تدابير وقائية معقولة. وقد يستمد هذا الواجب من نص قانوني، أو لائحة تنظيمية، أو أصول مهنية، أو طبيعة النشاط الذي يمارسه الشخص.
  • الإخلال بهذا الواجب: يتمثل عدم الاحتراز في امتناع الشخص عن اتخاذ الاحتياطات اللازمة، أو في اتخاذه احتياطات غير كافية لا تتناسب مع خطورة الموقف.
  • إمكان توقع الضرر: يجب أن تكون النتيجة الضارة ممكنة التوقع في ضوء الملابسات. فإذا كان الضرر غير متوقع إطلاقاً، ولا يستطيع الشخص الحريص أن يتوقعه، لا يكون محلوماً به عدم احتراز.
  • وقوع نتيجة ضارة: غالباً ما ترتبط الجرائم غير العمدية بنتيجة مادية، مثل الإصابة أو الوفاة أو التلف، ولا تقوم المسؤولية الجنائية في كثير من هذه الجرائم إلا بقيام هذه النتيجة.
  • علاقة السببية: يجب أن يكون عدم الاحتراز سبباً في وقوع الضرر، بحيث لو اتخذ الشخص الاحتياطات المطلوبة، لكان الضرر قد زال أو انخفض احتمال وقوعه إلى حد معتبر.
  • غياب القصد الجنائي: لا يشترط في عدم الاحتراز أن تكون لدى الشخص إرادة إحداث الضرر. فإذا توافر القصد الجنائي، انتقل الوصف من الجريمة غير العمدية إلى الجريمة العمدية.

مثال عملي

إذا قام مقاول بحفر حفرة عميقة في رصيف عام لإجراء أعمال صيانة، ثم تركها مفتوحة ليلاً دون حواجز أو إضاءة أو علامات تحذيرية، فمرّ أحد المارة وسقط فيها وأصيب إصابة بالغة، فإن سلوك المقاول قد يوصف بعدم الاحتراز.

فالواجب يفرض عليه في هذه الحالة اتخاذ احتياطات معقولة لمنع تعرض المارة للخطر، مثل وضع حواجز حول الحفرة، أو إضاءتها، أو تثبيت لافتات تحذيرية. وإغفاله لهذه التدابير مع إمكانية توقع مرور الناس وسقوط أحدهم يجعله مسؤولاً عن الخطأ غير العمدي، إذا ثبتت علاقة السببية بين ترك الحفرة دون احتياط وبين الإصابة التي وقعت.


الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، جرائم غير عمدية، عدم الاحتراز، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي

مكتب الدهشان للمحاماة احجز استشارة الآن