إتلاف البيانات
مقدمة
أصبح إتلاف البيانات في البيئة الرقمية من أخطر صور جرائم تقنية المعلومات، نظراً إلى الدور الجوهري الذي تؤديه البيانات في إدارة الأعمال، وتقديم الخدمات، وحفظ الحقوق، وتسيير المرافق العامة والخاصة. فالبيانات لم تعد مجرد معلومات مخزنة على حاسوب أو خادم، بل أصبحت رصيداً قانونياً واقتصادياً وتنظيمياً قد يترتب على فقده أو تعطيله ضرر بالغ للأفراد والمؤسسات والدولة.
وتكتسب جريمة إتلاف البيانات أهميتها من كونها تمس سلامة النظم المعلوماتية وثقة المجتمع الرقمي، كما أنها قد تكون وسيلة لتحقيق أغراض أخرى مثل الابتزاز، أو الانتقام، أو المنافسة غير المشروعة، أو تعطيل الخدمات. ولهذا اهتمت التشريعات الحديثة بتجريم الأفعال التي تستهدف حذف البيانات أو إتلافها أو تعطيلها أو جعلها غير قابلة للاستعمال دون سند قانوني.
التعريف الاصطلاحي
يُقصد بإتلاف البيانات، اصطلاحاً، كل فعل مادي أو إلكتروني يؤدي إلى إعدام البيانات أو حذفها أو إتلافها أو تشويهها أو تعطيلها أو جعلها غير قابلة للاستخدام أو الاسترجاع، سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، وبوسائل تقنية مثل إدخال برامج ضارة، أو استعمال صلاحيات دخول غير مشروعة، أو استغلال خلل أمني، أو استخدام أدوات حذف وتشفير تمنع صاحب الحق من الانتفاع بالبيانات.
ويدخل في مفهوم البيانات، بحسب السياق التشريعي، كل معلومة أو سجل أو ملف أو برنامج أو قاعدة بيانات أو رسالة إلكترونية أو أي محتوى قابل للمعالجة أو التخزين أو النقل بواسطة نظام معلوماتي.
الشرح القانوني للمصطلح
يُعد إتلاف البيانات جريمة تقنية معلومات عندما يصدر عن شخص فعل غير مشروع يستهدف بيانات موجودة في نظام معلوماتي أو على حامل إلكتروني أو ضمن شبكة اتصالات، ويترتب على هذا الفعل ضرر يتمثل في فقدان البيانات أو عدم إمكانية استعمالها أو استرجاعها أو تشويه قيمتها القانونية أو العملية.
ولا يشترط في جميع التشريعات أن يكون الإتلاف نهائياً أو غير قابل للإصلاح، فقد يكفي في بعض النصوص أن يكون الفعل قد أدى إلى تعطيل البيانات أو إفسادها أو جعلها غير صالحة للاستعمال، ولو أمكن استردادها لاحقاً بتكلفة أو بجهود تقنية. كما أن الجريمة قد تقع حتى إذا لم ينتفع الجاني شخصياً من فعله، متى توافرت لديه نية الإتلاف أو القصد الجنائي.
وتختلف خطورة الجريمة بحسب طبيعة البيانات المتضررة؛ فالإتلاف قد يتعلق ببيانات شخصية، أو مالية، أو مصرفية، أو طبية، أو تجارية، أو بيانات تتعلق بالأمن الوطني أو تشغيل البنية التحتية الرقمية. وكلما ارتبطت البيانات بخدمات أساسية أو حقوق جوهرية للأفراد، ازدادت جسامة الفعل من الناحيتين الجنائية والمدنية.
وقد يترتب على إتلاف البيانات إلى جانب المسؤولية الجنائية مسؤولية مدنية تعويضية عن الأضرار التي لحقت بالمجني عليه، بما في ذلك تكاليف الاستعادة التقنية، وفقدان الأرباح، وتعطيل العمل، والضرر المعنوي أو التجاري الناتج عن فقدان الثقة أو الإضرار بالسمعة.
أركان أو عناصر المصطلح
تتكون جريمة إتلاف البيانات، بصورة عامة، من مجموعة عناصر أساسية تختلف تفاصيلها بحسب التشريع الوطني، ويمكن بيانها على النحو الآتي:
- الركن المادي: ويتمثل في صدور فعل تقني يؤدي إلى حذف البيانات أو إتلافها أو تشويهها أو تعطيلها أو منع الوصول إليها. وقد يتم هذا الفعل عن طريق إدخال فيروس أو برنامج فدية، أو استعمال صلاحيات دخول، أو تنفيذ أوامر حذف، أو تعديل إعدادات النظام بما يؤدي إلى فقدان البيانات.
- الركن المعنوي: ويقصد به توافر القصد الجنائي لدى الجاني، أي علمه بطبيعة البيانات وعلمه بأن فعله غير مشروع، مع إرادته إحداث نتيجة الإتلاف أو التعطيل. وقد تشمل بعض التشريعات حالات الخطأ الجسيم إذا نصت على ذلك صراحة.
- انعدام السند القانوني: فلا يعد الفعل جريمة إذا صدر من شخص مختص ضمن حدود صلاحياته، مثل حذف بيانات منتهية الصلاحية وفق سياسة معتمدة، أو تنفيذ إجراء تقني مشروع للصيانة أو حماية النظام، بشرط عدم تجاوز حدود الإذن.
- البيانات محل الحماية: يجب أن تكون البيانات محل الفعل قابلة للحماية قانوناً، سواء كانت مخزنة على جهاز، أو خادم، أو سحابة إلكترونية، أو قاعدة بيانات، أو أي حامل رقمي آخر.
- العلاقة السببية: يجب أن يثبت أن الفعل المنسوب إلى الجاني هو الذي أدى إلى إتلاف البيانات أو تعطيلها، وأن الضرر حاصل بسببه لا بسبب عامل خارجي مستقل.
مثال عملي
إذا قام موظف في شركة تجارية، بعد انتهاء علاقته الوظيفية، باستخدام اسم مستخدم وكلمة مرور لم يقم صاحب العمل بإلغائها، ثم دخل إلى نظام الشركة وحذف قاعدة بيانات خاصة بالعملاء والفواتير، فإن فعله قد يشكل جريمة إتلاف بيانات إذا ثبت أن دخوله إلى النظام أو حذفه للبيانات كان بغير إذن، وأن ذلك أدى إلى تعطيل عمل الشركة أو فقدان بيانات ذات قيمة.
ولا ينتفي وصف الفعل لمجرد أن الموظف كان يعرف بيانات الدخول من قبل، أو كان يملك صلاحيات أثناء عمله، إذا كان استعمال هذه الصلاحيات بعد انتهاء الإذن أو خارج نطاقه قد تم بقصد الإضرار أو الإتلاف. كما أن مسؤولية الشركة التقنية عن ضعف إجراءات الحماية لا تمنع بالضرورة مساءلة الجاني جنائياً ومدنياً عن الفعل الذي ارتكبه.
الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة
يمتاز إتلاف البيانات عن غيره من جرائم تقنية المعلومات بأن محل الاعتداء هو سلامة البيانات ذاتها وقابليتها للاستعمال، أما الجرائم المشابهة فقد يكون محلها السرية أو النزاهة أو التوافر أو الملكية المعنوية أو المالية للبيانات. ومن أهم أوجه التمييز ما يأتي:
- الفرق بين إتلاف البيانات وسرقة البيانات: سرقة البيانات تعني الحصول على بيانات أو نسخها أو الاستيلاء عليها دون إذن، بينما إتلاف البيانات يعني إعدامها أو تعطيلها أو جعلها غير قابلة للاستعمال. وقد يجتمع الجرمان إذا قام الجاني بنسخ البيانات ثم حذفها من نظام المجني عليه.
- الفرق بين إتلاف البيانات والاختراق: الاختراق أو الدخول غير المشروع إلى نظام معلوماتي قد يكون وسيلة لارتكاب جريمة إتلاف البيانات، لكنه لا يساويه دائماً؛ فقد يقتصر الاختراق على الدخول أو الاطلاع دون حذف أو إتلاف.
- الفرق بين إتلاف البيانات وتعطيل الخدمة: تعطيل الخدمة يستهدف غالباً منع المستخدمين من الوصول إلى نظام أو موقع أو خدمة إلكترونية، بينما إتلاف البيانات يستهدف البيانات نفسها. ومع ذلك، قد يؤدي إتلاف البيانات إلى تعطيل الخدمة نتيجة لفقدان الملفات أو قواعد البيانات اللازمة للتشغيل.
- الفرق بين إتلاف البيانات وتغيير البيانات: تغيير البيانات أو تعديلها دون وجه حق قد يمس بصحتها أو نزاهتها، بينما الإتلاف يمس بوجودها أو قابليتها للاستخدام. غير أن التعديل الجوهري الذي يجعل البيانات غير صالحة أو مشوهة تماماً قد يقترب من الإتلاف بحسب نص القانون وطبيعة الواقعة.
- الفرق بين إتلاف البيانات وانتهاك الخصوصية: انتهاك الخصوصية يتعلق بالاطلاع أو الكشف غير المشروع عن بيانات شخصية أو معلومات خاصة، أما إتلاف البيانات فيتعلق بإلحاق الضرر بالبيانات نفسها، سواء أكانت شخصية أو تجارية أو إدارية.
خاتمة
يُعد إتلاف البيانات جريمة تقنية معلومات ذات أثر واسع، لا يقتصر
الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، جرائم تقنية المعلومات، إتلاف البيانات، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي