الغلط في الواقع

الغلط في الواقع

مقدمة

يُعدّ الغلط في الواقع من المباحث الأساسية في المسؤولية الجنائية، لأنه يمسّ الركن المعنوي للجريمة، ولا سيما عنصر القصد الجنائي. فالقاعدة العامة تقتضي ألاّ تقوم المسؤولية الجنائية بمجرد وقوع الضرر، بل يلزم إلى جانب الركن المادي توافر القصد أو الخطأ الجنائي الذي يربط الفاعل بالفعل المنسوب إليه.

ومن ثم، فإذا تصور الشخص الوقائع على خلاف حقيقتها، واتخذ بناءً على هذا التصور سلوكاً يظنه مشروعاً أو غير موجّه إلى الاعتداء على حق محمي، فإن الغلط في الواقع قد يمنع قيام مسؤوليته الجنائية، أو يمنع وصف فعله بوصفه جريمة عمدية، وذلك متى كان الغلط جوهرياً ومؤثراً في تكوين القصد.

التعريف الاصطلاحي

الغلط في الواقع هو تصور غير صحيح لواقعة مادية أو حالة واقعية، بحيث يعتقد الشخص وجود أمر غير موجود، أو عدم وجود أمر موجود، أو يخطئ في وصف واقعة من الوقائع التي تدخل في تكوين الجريمة أو في تحديد طبيعتها القانونية.

وبعبارة أخرى، هو خطأ يقع في إدراك الحقيقة الواقعية المحيطة بالفعل، لا في فهم القاعدة القانونية ذاتها. فهو يختلف عن الغلط في القانون، لأن الأول يتعلق بالوقائع، بينما يتعلق الثاني بتصور الحكم القانوني المترتب على هذه الوقائع.

الشرح القانوني للمصطلح

تقوم المسؤولية الجنائية ordinarily على اجتماع الركن المادي والركن المعنوي. والركن المعنوي يتمثل في اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب الفعل مع علمه بعناصره الجوهرية. فإذا أخطأ الجاني في إدراك إحدى هذه العناصر، فإن قصده الجنائي قد ينتفي أو يتشوّه.

فإذا كان الغلط في الواقع يتعلق بعنصر جوهري من عناصر الجريمة، فإنه يمنع قيام القصد الجنائي اللازم للجريمة العمدية. مثال ذلك أن يتناول شخص شيئاً يظنه ملكه، بينما يكون في الحقيقة ملكاً لغيره؛ فهنا ينتفي قصد الاستيلاء على مال الغير، وهو القصد اللازم لقيام جريمة السرقة.

أما إذا كان الغلط يتعلق بواقعة ثانوية لا تؤثر في تكوين القصد، أو لم يكن معذوراً بحكم الملابسات، فقد لا يمنع المسؤولية الجنائية. كما أن الغلط الناشئ عن إهمال أو رعونة قد لا ينفي المسؤولية مطلقاً، بل قد يؤدي إلى قيام المسؤولية عن الجريمة غير العمدية إذا كان القانون يعاقب عليها.

ومن ذلك يتبين أن أثر الغلط في الواقع لا يكون واحداً في جميع الحالات، بل يتوقف على طبيعة الواقعة التي وقع فيها الخطأ، ومدى جوهريتها، ومدى توافر حسن النية أو المعذورية لدى الشخص الذي وقع في الغلط.

أركان أو عناصر المصطلح

يتكون الغلط في الواقع من عدة عناصر أساسية، وهي:

  • تصور غير مطابق للواقع: يجب أن يكون لدى الشخص اعتقاد خاطئ بشأن واقعة مادية، كأن يعتقد أن شيئاً ما ملك له وهو ليس كذلك، أو أن شخصاً يعتدي عليه وهو في الحقيقة لا يعتدي.
  • تعلق الغلط بواقعة مؤثرة: لا يكفي أي غلط، بل يجب أن يتعلق بواقعة تدخل في تكوين الجريمة أو تؤثر في وصفها، أو في قيام القصد الجنائي، أو في وجود سبب من أسباب الإباحة.
  • تزامن الغلط مع ارتكاب الفعل: يجب أن يكون الغلط قائماً وقت صدور السلوك، لا أن يحدث لاحقاً أو بعد اكتمال الفعل الإجرامي.
  • أثر الغلط في نفي القصد: يكون للغلط أثر قانوني إذا كان من شأنه أن ينفي علم الجاني بعنصر جوهري من عناصر الجريمة، أو ينفي اتجاه إرادته إلى الاعتداء على الحق المحمي.
  • معذورية الغلط: يُشترط غالباً أن يكون الغلط معقولاً أو معذوراً في ضوء الملابسات. فإذا كان الغلط ناتجاً عن تهور واضح أو إهمال جسيم، فقد لا يمنع المسؤولية عن الأفعال غير العمدية.

مثال عملي

افترض أن شخصاً دخل مجلساً عاماً، ورأى مظلة شبيهة بمظلته موضوعه بجواره، فأخذها معتقداً بحسن نية أنها ملكه، ثم تبين أنها ملك شخص آخر.

في هذه الحالة، لا تتوافر جريمة السرقة بالمعنى العمد؛ لأن السرقة تقتضي قصداً جنائياً يتمثل في نية الاستيلاء على مال الغير بغير وجه حق. أما الشخص الذي أخذ المظلة وهو يعتقد خطأً أنها ملكه، فقد وقع في غلط في الواقع بشأن ملكية الشيء، وهذا الغلط ينفي قصد الاعتداء على مال الغير.

ومع ذلك، إذا كانت الملابسات تدل على أن الشخص لم يتحرَّ بقدر معقول من العناية، كأن تكون المظلة مميزة بوضوح باسم مالكها، فقد يثار بحث احتمال المسؤولية عن فعل غير عمدي إذا كان القانون يجرم هذا السلوك في صورته الإهمالية.

الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة


الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، موانع المسؤولية، الغلط في الواقع، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي

المصطلح وجه التمييز
الغلط في الواقع يتعلق بتصور خاطئ لواقعة مادية، مثل الاعتقاد بأن الشيء ملك للفاعل، أو أن شخصاً يعتدي عليه، أو أن الواقعة وقعت على خلاف حقيقتها.
الغلط في القانون يتعلق بفهم الشخص للحكم القانوني أو العقوبة أو وصف الفعل قانوناً، لا بالوقائع ذاتها. وفي الغالب لا يسقط المسؤولية الجنائية لمجرد الجهل بالقانون، إلا في حدود استثنائية يقررها القانون أو الفقه.