الإرادة الإجرامية

مقدمة

تُعدّ الإرادة الإجرامية من المفاهيم الأساسية في النظرية العامة للجريمة، إذ لا يكفي لقيام المسؤولية الجزائية أن يصدر عن الشخص سلوك خارجي مخالف للقانون، بل يجب أن يقترن هذا السلوك بعنصر نفسي يتجه به الجاني إلى إحداث النتيجة المجرّمة أو قبولها. ومن ثمّ فإن الإرادة الإجرامية تمثل الجانب الباطني في الجريمة، وتقوم بدور حاسم في التمييز بين الفعل العمد والفعل غير العمدي، وبين الجريمة التامة ومجرد السلوك المباح أو غير المؤثم جزائياً.

وتظهر أهمية هذا المصطلح بصفة خاصة عند بحث الركن المعنوي للجريمة، لأن القانون الجزائي لا يعاقب، في الأصل، على مجرد الأفكار أو النوايا ما لم تتجسد في سلوك مادي، كما لا يكتفي بالسلوك المادي وحده إذا خلا من الإرادة الجنائية اللازمة لوصفه بالإجرامي.

التعريف الاصطلاحي

يُقصد بالإرادة الإجرامية اصطلاحاً: توجه الإرادة إلى ارتكاب فعل يشكل جريمة، مع إدراك الجاني لطبيعة هذا الفعل ونتائجه، وقبوله أو سعيه إلى إحداثها.

وبهذا المعنى، فإن الإرادة الإجرامية ليست مجرد رغبة عابرة أو فكرة داخلية، وإنما هي إرادة قانونية مؤثرة تتصل بالسلوك الإجرامي، وتظهر من خلال أفعال خارجية تدل على أن الجاني قد وجه نشاطه نحو تحقيق الغرض الجنائي.

الشرح القانوني للمصطلح

تقوم الجريمة، في البناء القانوني العام، على ثلاثة أركان: الركن القانوني، والركن المادي، والركن المعنوي. وتندرج الإرادة الإجرامية ضمن الركن المعنوي، فهي العنصر النفسي الذي يميز الجريمة العمدية عن غيرها من السلوكيات التي قد تنتج عن خطأ أو إهمال أو حادثة لا تنسب إلى فاعلها من حيث القصد.

وتتكون الإرادة الإجرامية من جانبين متلازمين:

  • جانب علمي: ويتمثل في إدراك الجاني للواقعة التي يقوم بها، ومعرفته بطبيعتها ونتائجها المحتملة.
  • جانب إرادي: ويتمثل في توجيه النشاط إلى ارتكاب الفعل أو إحداث النتيجة المجرمة، أو على الأقل قبول تحققها.

وعلى ذلك، لا يتصور قيام الإرادة الإجرامية إذا كان الفعل صادراً عن إكراه مادي يحول بين الجاني وبين الاختيار، أو عن اضطراب في الإدراك ينفي القدرة على فهم طبيعة الفعل، أو عن حادث محض لا يمكن عزوه إلى قصد جنائي.

أركان أو عناصر المصطلح

تتعدد عناصر الإرادة الإجرامية بحسب طبيعة الجريمة ووصفها القانوني، إلا أنه يمكن إجمالها في العناصر الآتية:

  • الإدراك: أن يكون الجاني عالماً بالظروف والوقائع التي يتكون منها السلوك الإجرامي، مدركاً أن ما يفعله يتجه إلى تحقيق نتيجة ممنوعة قانوناً.
  • توجيه الإرادة: أن تتجه إرادة الجاني إلى الفعل الإجرامي ذاته، بحيث لا يكون السلوك مجرد حركة لا إرادية أو فعل صادر عن انعكاس أو إكراه مادي.
  • القصد الجنائي: وهو ثمرة الإرادة الإجرامية، ويتمثل في عزم الجاني على ارتكاب الجريمة أو إحداث نتيجتها. وقد يكون القصد عاماً متجهاً إلى الفعل، وقد يكون خاصاً متجهاً إلى نتيجة محددة أو غاية قانونية معينة.
  • الحرية والاختيار: يشترط أن يكون الجاني مختاراً لفعله، قادراً على التمييز بين ما يفعل وما يترتب عليه، لأن الإرادة لا تكون إجرامية بالمعنى القانوني إذا انعدمت الحرية أو الاختيار.
  • التطابق بين الإرادة والسلوك: يجب أن يظهر السلوك الخارجي مترجماً للإرادة الباطنية، إذ لا يعاقب القانون على مجرد التفكير في الجريمة، كما لا يكفي وجود نية مجردة ما لم تتخذ مظهراً مادياً يدخل في نطاق التجريم.

مثال عملي

إذا دخل شخص إلى منزل آخر خلسة، وتناول مالاً منقولاً مملوكاً لغيره بقصد تملكه، فإن السلوك المادي يتمثل في الدخول وأخذ المال، أما الإرادة الإجرامية فتتمثل في علمه بأن المال مملوك لغيره، وتوجيهه لإرادته إلى الاستيلاء عليه بغير حق، وقصده تملكه.

وفي هذا المثال، لا تقوم السرقة بمجرد أخذ الشيء، بل يشترط أن يقترن الأخذ بقصد التملك بغير حق. أما إذا أخذ الشخص المال معتقداً بحسن نية أنه ملكه أو أنه مأذون له في أخذه، فإن القصد الجنائي ينعدم أو يضعف بحسب الملابسات، لأن الإرادة لم تتجه إلى الاستيلاء غير المشروع.

الفرق بينه وبين المصطلحات المشابهة

الإرادة الإجرامية والركن المعنوي: الركن المعنوي أوسع من الإرادة الإجرامية، فهو يشمل القصد الجنائي في الجرائم العمدية، ويشمل الخطأ الجنائي في الجرائم غير العمدية. أما الإرادة الإجرامية فهي الجانب الإرادي داخل الركن المعنوي، وتظهر بوضوح في الجرائم التي يشترط فيها القصد.

الإرادة الإجرامية والقصد الجنائي: القصد الجنائي هو الصيغة القانونية التي تتخذها الإرادة الإجرامية عند تطبيق القانون على الواقعة. فالإرادة الإجرامية تعبر عن التوجه النفسي إلى الفعل، بينما القصد الجنائي هو وصف قانوني لهذه الإرادة من حيث توافر العلم والإرادة تجاه عناصر الجريمة.

الإرادة الإجرامية والدافع: الدافع هو الباعث الداخلي الذي حرك الجاني، كالانتقام أو الطمع أو الغيرة. وقد يكون الدافع مؤثراً في العقوبة أو في وصف الجريمة في بعض الحالات، لكنه لا يعادل الإرادة الإجرامية. فالإرادة تتعلق بتوجيه الفعل إلى الجريمة، أما الدافع فيتعلق بالسبب النفسي الذي دفع إلى هذا التوجيه.

الإرادة الإجرامية والنية: النية قد تكون فكرة داخلية لا تتجسد في سلوك، بينما الإرادة الإجرامية لا تكتمل قانوناً إلا إذا اتجهت إلى فعل خارجي يدخل في دائرة التجريم. لذلك لا يعاقب على النية المجردة، وإنما يعاقب على السلوك المقترن بقصد جنائي.

الإرادة الإجرامية والخطأ الجنائي: الخطأ الجنائي يقوم على الإهمال أو عدم الاحتياط أو عدم المهارة أو عدم مراعاة الأنظمة، دون أن تكون هناك إرادة متجهة إلى إحداث النتيجة الإجرامية. أما الإرادة الإجرامية فتقوم على علم الجاني وتعمده أو قبوله للنتيجة المجرمة.

خاتمة

تمثل الإرادة الإجرامية محوراً أساسياً في تحديد المسؤولية الجزائية، لأنها تربط بين السلوك الخارجي للشخص والجانب النفسي الذي يجعل هذا السلوك مؤثماً. ومن خلالها يتم التمييز بين الجريمة العمدية والجريمة غير العمدية، وبين الفعل المؤثم قانوناً والفعل الذي يخلو من القصد الجنائي.

ولهذا لا يجوز بناء الإدانة الجزائية على مجرد وقوع الضرر أو صدور السلوك، بل يجب التأكد من توافر الإرادة الإجرامية بقدر ما يتطلبه وصف الجريمة،


الكلمات المفتاحية: مقالات، مصطلحات قانونية، النظرية العامة للجريمة، الإرادة الإجرامية، شرح المصطلحات القانونية، القانون الجنائي